يحتوي المتحف البريطاني على تاريخٍ تسلسلي للبشرية، من ضمنه العالم القديم، بحضارتي روما وأثينا، وهناك رسم متسلسلٌ لخرائط أقاليم العالم، وإفراد للفرعونية، والبوذية في الصين والهندوسية، واستعراض لأفريقيا القديمة، وعلاقة الأساطير بكل هذه العهود والمراحل. بمعنى أن المتحف يُركّز على رحلة الفنون والنحت بالدرجة الأولى.

غير ان المتحف يثني بصورة فريدة على دور التبشير المسيحي في أفريقيا، وعلى عقل الفرد في التخلص من الطقوس الأسطورية، وعرض أساطير الرجل الأفريقي الذي اهتدى عقله إلى التنوير بسبب هذا التبشير، نجد هناك مرحلة فراغ ضخمة، لم يعرض فيها تاريخا، ولا إشارة بسيطة، عن علاقة واقع الشرق الأوسط، وميراث العالم القديم والسلوكيات الظالمة والخرافة التي كانت سائدة، وورثت من العهود القديمة، والبنيان الإمبراطوري الضخم، بين فارس والرومان.

يُبرز لنا المتحف مرحلة مهمة، وطرحا فكريا مباشرا بشأن التنوير الغربي والثقافة الجديدة، منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، حيث بدأ النبلاء دراسة أفكار العالم القديم، ومن ثم باشروا التبشير بالفكر التنويري الحديث، مقدمة للعهد العلمي، والتجربة المدنية الحديثة. وهنا لا إشكال في فهم هذا المنعطف، ولا في دلالات تأثيره الإيجابي في مسارات حضارية.

هناك أزمة تاريخية بين العقل والدين، لا تزال تحكم العقل الغربي، من دون أن تُقلص مكانة التبشير، ولم تمنع الغرب من تقدير التبشير المسيحي، وريادة الفكرة المسيحية التي تدعمها الدولة الحديثة في الغرب، على الرغم من علمانيتها الصارمة، لكنّ هناك بعثا مستمرا بخصوصية المسيحية، وإعطائها نمطا إنسانيا مختلفا، غير أن الفكرة العلمية والتاريخية اليوم، تُشير إلى رسالةٍ أخلاقية وقيمية مسيحية غيرت افريقيا.

في التاريخ الحديث لم يتوقف الدعم الأمريكي للتبشير في القارة السوداء، فكارتر الرئيس الأمريكي الأسبق أقام مع زوجته مركز كارتر في مدينة اطلنطا مدعوما من كنيسته من أجل تبشير افريقيا أو على حد قوله: "إننا نقوم بفتح صدورنا وقلوبنا للناس ونشر كلمة الله"، وقام المركز الذي يعمل من خلاله بمهام بارزة في العالم مثل تقديم المساعدات الطبية وبناء مساكن للفقراء في أفريقيا وله نشاط في أكثر من ثلاثين دولة افريقية ويتدخل المركز في جنوب السودان دائما برجاله وإمكاناته وبمبشريه.