كان سهيل غابرييل في السرير عندما اقتحم مسلحو الدولة الإسلامية قريته في شرق سوريا وأمطروها بالقذائف الصاروخية. هرع غابرييل وزوجته وابنته إلى دراجته النارية وانطلقوا في الصباح الباكر. "لقد غادرنا بملابس النوم. فلم يكن لدينا الوقت الكافي لارتداء ملابسنا".

كان غابرييل واحد من بين آلاف الناس من المجتمع المسيحي القديم، المعروفين باسم الآشوريين، والذين فرّوا من 35 قرية في منطقة نهر الخابور في سوريا في شباط، بسبب هجوم الجماعات السنّيّة المتطرفة. دنّس المتشددون الكنائس والرموز الدينية، واختطفوا نحو 250 آشوري، ولم يستثنوا النساء والأطفال.

على مدى العقد الماضي، انضم الآشوريون إلى موجات المسيحيين الهاربين من سوريا والعراق بسبب الحرب والاضطهاد من قبل المسلمين المتطرفين. لكن الهجمات الأخيرة ضاعفت المخاوف من أن هذا الشعب الفريد في بلاد ما بين النهرين مهدد بالزوال من المنطقة.

تقول إيدن نابي مؤرخة الشرق الأوسط وخبيرة الثقافة الآشورية أن الآشوريين في العراق وسوريا هم آخر المجتمعات التي تتحدث بلغة يسوع المسيح: الآرامية. لقد أجبر العديد من الآشوريين على مغادرة الشرق الأوسط مما يضعف احتمال المحافظة على اللغة.

وتقول نابي أن الآرامية هي أقدم لغة مكتوبة ومحكية في الشرق الأوسط. وقد استخدمتها الطوائف الدينية الأخرى من قبل بما في ذلك اليهود. "إن ما تبقى من الآشوريين هم آخر الشعوب التي تتكلم اللغة الآرامية. وإن اختفاء وتشريد هذا الشعب قد يكون الفصل الختامي في استخدام اللغة الآرامية في العالم".

يعتبر الآشوريون، الذين يشار إليهم أيضاً بالكلدان أو السريان، أنفسهم متميزين عرقياً عن العرب والأكراد، وتعود جذورهم في هذه المنطقة إلى نحو 6500 سنة. وهم يتكلمون باللهجة الحديثة التي كانت لغة مشتركة للإمبراطورية الآشورية.

كان الآشوريون من أول الشعوب التي اعتنقت المسيحية، وينتمون في الغالب إلى أربعة طقوس من الكنائس الشرقية، التي أسسها رسل القرن الأول؛ توما وتداوس وبرتلماوس.
على الرغم من انتشار مجموعات من الآشوريين في لبنان وتركيا، إلّا أن قلب المجتمع لا يزال في العراق وسوريا. وقد انخفض عدد الآشوريين في العراق من 1,4 مليون في أواخر الثمانينيات إلى نحو 400000 آشوري، كما هاجر العديد منهم إلى الخارج بسبب الاضطرابات التي أحدثها الغزو الأمريكي الذي أطاح بنظام صدام حسين.

يقدر عدد الآشوريين في سوريا بأقل من 40000 نسمة. وقد اضطر العديد منهم إلى الفرار إلى المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في الجزء الشرقي من البلاد بعد سيطرة الدولة الإسلامية على قراهم.

ويقول حبيب أفرام رئيس الرابطة السريانية في لبنان:"إننا نواجه العمل الوحشي تلو الآخر". وأشار إلى الهجمات التي طالت الآشوريين في السنوات الأخيرة بما في ذلك قتل مطران في مدينة الموصل شمال العراق عام 2008، وتفجير كنيسة آشورية في بغداد عام 2010، وخطف اثنين من الأساقفة في حلب، أكبر مدينة سورية. وأضاف:"إنهم لا يريدون الاستيلاء على أرضك فقط أو طردك من قريتك، إنهم يريدون محو ماضيك وتراثك".

عندما اجتاحت الدولة الإسلامية شمال العراق في حزيران، اضطر الآلاف من الآشوريين في الموصل ومناطق أخرى إلى الفرار.

حتى قبل اندلاع الحرب الأهلية في سوريا وصعود الدولة الإسلامية، واجه الآشوريون الاضطهاد. وقد قتل نصف مليون آشوري على الأقل على يد الأتراك العثمانيين أثناء مذابح الأرمن وغيرهم من الأقليات خلال الحرب العالمية الأولى. وهي المجزرة التي يعتبرها الكثير من المؤرخين إبادة جماعية.

يعتقد اليوم أن أكثر من ثلثي الآشوريين يعيشون في عدة دول من بينها الولايات المتحدة والسويد وأستراليا. وتقول نابي، الخبيرة في الثقافة الآشورية، أن عدداً قليلاً من المدارس تعلّم اللغة الآرامية في تلك البلدان، وهذا سيساهم في اختفاء هذه اللغة.

وأشارت الباحثة إلى أن خسارة مماثلة للغة الآرامية حدثت عندما غادر آلاف اليهود شمال العراق عند إنشاء دولة إسرائيل عام 1948. وانتقل العديد منهم إلى إسرائيل وأصبحت العبرية هي لغتهم.

يأمل العديد من الآشوريين الذين هربوا من منازلهم في سوريا في إعادة بناء حياتهم في الخارج. يقول غابرييل:"لن يستطيع أحد منا العودة إلى سوريا. إننا ندرك هذا، وندرك أن علينا بدء حياتنا في بلدان أخرى". يبلغ غابرييل من العمر 47 عاماً، وهو مدرّس للغة الانكليزية، جاء إلى لبنان مع عائلته وعشرات الآشوريين، بعد وقت قصير من الهجمات.