كان الكاهن برنارد كينفي يُعالج النساء والأطفال المسلمين المصابين بجروح، وعندما حاول مسلحون من ميليشيا مسيحية قتل صبي بالغ من العمر 14 عاما عبر إطلاق النار عليه، رّد الكاهن حينها: "إذا كنت تريد قتله، سيكون عليك قتلي أنا أولا."

الكاهن برنارد
 

منذ بداية حرب إراقة الدماء تحت أسباب دينية بجمهورية إفريقيا الوسطى، وهو الأمر الذي وصل إلى بوسيمبتيل، بلدة صغيرة في الريف الغربي الشمالي، حيث يرأس الأب برنار كنيسة كاثوليكية ومستشفى متواضع، صار لهذا الرجل هدفاً وحيداً: إنقاذ أي شخص بغض النظر عن عقيدته.

عندما برزت حركة التمرّد التي يقودها مسلمون، والمعروفة باسم سيليكا، ووصلت إلى هذه البلدة قبل عامين، عالج الكاهن البالغ من العمر 32 عاما كل الذين نجوا من غاراتها القاتلة في المناطق الريفية المحيطة بمدينته، ولم يستثني من العلاج حتى المقاتلين المسلمين الذين أصيبوا.

وعندما وصل التنظيم المسيحي المعروف باسم "آنتي بالاكا" إلى بوسمبتيل بهدف تصفية جميع المسلمين، سواء عن طريق الترهيب أو القتل، عيّن الأب برنارد نفسه كمساعد لأولئك المسلمين الذين هربوا من العصابات، وفعل ذلك عبر تقديم مأوى لهم في مجمّع الكنيسة.

لأكثر من شهر، ركز الكاهن على انتقاد مقاتلي "أنتي كابالا"، الذين غالبا ما اشتهروا بالسُّكر أو تعاطي المخدرات وهم يعتقدون بأن القوى السحرية حمتهم من خطر الإصابة بالرصاص. كان الكاهن يرتدي ثوبا رُسم عليه الصليب الأحمر من أجل بلده، وقال إنه تفاوض يوميا مع الميليشيات المختلفة لتجنيب العديد من الأرواح شر القتل والقتال.

يقول الكاهن:'' عشت لحظات خوف عظيم، ولكن كنت قد اتخذت قرارا بمساعدة المرضى حتى لو كانت حياتي الخاصة معرّضة للخطر''. فبفضل الأب ومساعديه تمكّن الألف مسلم الذين أتوا من بوسيمبتيل وضواحيها من تلقي العلاج، وتمت مرافقتهم إلى دولة الكامرون الآمنة نسبياً.
لقد كُشفت قصته البطولية بعد أن تم العثور عليه من قبل مسؤولي هيومن رايتس ووتش، وقد سافر الكاهن هذا الأسبوع إلى لندن لتلقي جائزة من المنظمة للشجاعة والتفاني الذي لا يتزعزع في حماية المدنيين أثناء الصراع.

تفيض الموارد الطبيعية من ألماس ويورانيوم في دولة إفريقيا الوسطى التي كانت مستعمرة فرنسية سابقة، ومع ذلك لا زالت تعتبر واحدة من أفقر البلدان في العالم. الفوضى التي عمّت هناك حين استولت الحركة الإسلامية سيليكا على السلطة في دولة أغلبيتها مسيحية في مارس 2013، ثم بعد ذلك مرّت السلطة إلى الجماعة المسيحية أنتي كابالا، التي كلّفت البلاد ما لا يقل عن ثلاثة آلاف روح، وأبقت على 2.5 مليون نسمة، أي أكثر من نصف السكان، في وضعية ماسة للطوارئ وللمساعدة من أجل البقاء.

على الرغم من الهدنة الهشة ووجود قوات حفظ السلام تابعة للأمم المتحدة، تفشى العنف وتواصل بانتظام، فمسلحو سيليكا في العاصمة "بانغي" استعمروا مداخل الطرق، وتبادلوا إطلاق النار مع قوات الأمم المتحدة احتجاجاً على خطط لنقلهم من المدينة.

ولكن مثل هذه المناوشات تعتبر بسيطة مقارنة بالعنف الوحشي الذي يخرج من بانغي إلى أماكن مثل بوسمبتيل وآنتي كابالا ، في الواقع كانت انتفاضة شعبية بمساعدة عناصر مسيحية على قوات الأمن، حيث هُددت الأقلية المسلمة بإبادة جماعية في بوسيمبتيل، ونفذت سيليكا الرد عن طريق الهجمات الانتقامية التي أسفرت عن مقتل المئات في القرى المحيطة، وكذلك إنزال الغرامات التعسفية والعقوبات في المدينة قبل فرارها.

بعد خمس ساعات من إطلاق النار، ظهر الأب برنارد مع عربة يد لجمع الناجين، كثير منهم من النساء المسلمات والأطفال المعاقين. في بعض المناطق كان يتنقل بين الجانبين بواسطة دراجة نارية، وفي مناسبة معينة كان يسعى خلالها لإنقاذ رجل مسلم، ورغم أن رعب أنتي كابالا كان يلاحقه، إلا أنه جازف وقام بمهمته.

في أوقات أخرى، كل ما كان يمكنه القيام به هو تقديم بعض الكرامة للموتى، وتحدث عن كيف أنه تلقي المكالمات الهاتفية العادية مرارا من المسيحيين والوثنيين التابعين للميليشيات، يبلغونه فيها أن مسلما آخر قد قُتل وطُلب منه أن يجمع جثثه. يقول الأب برنارد: "كانوا يقولون لي:" مهمتنا القتل ومهمتك هي دفنهم".

في صراع كانت أدواته هي بنادق القل، كان سلاح الكاهن هي ملابسه، فحتى داخل صفوف الفوضى داخل آنتي كابالا، مثلت رموز الكنيسة التي كانت على ملابسه سلطة كافية لحث مقاتلي الميليشيات على إعادة التفكير. يقول: "لقد كانوا خائفين من ملابسي. وأعتقد أنهم أعجبوا بها، عندما فهمت هذا، دأبت دائما على ارتداء الرداء الطويل مع الصليب الأحمر المرسوم عليه.

في مشاهد تذكرها الأب في فندق دي ميل كولين، الذي تم استخدامه لحماية التوتسي خلال الإبادة الجماعية في رواندا، حرص برنارد وزملاؤه في نهاية المطاف على ترتيب إخلاء سبيل المسلمين المتبقين هناك عبر الشاحنات إلى الكاميرون.

الأب برنارد، الذي سيعود إلى بوسمبتيل في يناير، يعترف أنه انكسر بانتظام وأنه يبكى في غرفته كثيرا أثناء أحلك أيام الصراع... الصراع الذي يؤكد الأب أنه لم ينته بعد.