لعبت الكنائس دورا مهما في إسقاط نظام "ألمانيا الشرقية" سابقاً. فقد تحولت الاحتجاجات المحتشمة وصلوات السلام التي كانت الكنائس تنظمها للتعبير عن معارضتها للنظام السائد إلى مظاهرات حاشدة أدت إلى سقوط جدار برلين الشهير.

في كنيسة القديس نيكولاي بمدينة غرايفسفالد الواقعة في شمال شرق ألمانيا يقوم أحد الفنانين بتحويل سيف إلى شفرة محراث. من خلال هذا العمل يذكر هذا الفنان بحدث تعود تفاصيله لأكثر من ثلاثين عاماً. آنذاك، وفي عام 1980 كان القس هارالد بريتشنايدر وهاينو فالكه، وهو أحد رجال الدين البارزين في مدينة إيرفورت، يبحثان عن رمز لتجسيد السلام. وقد وجدا بالفعل ما كانا يبحثان عنه في التوراة، حيث يدعو النبي ميخا إلى تحويل السيوف إلى شفرات محاريث. جاءت مبادرة بريتشنايدر وفالكه كرد على فرض تدريس مادة "التربية العسكرية" في مدارس "ألمانيا الشرقية" السابقة. وبذلك أصبحت صورة ذلك الحدّاد الذي يضرب بمطرقة لتغيير شكل أحد السيوف إلى رمز لحركة السلام المسيحية في "ألمانيا الشرقية" السابقة.

السلام بدل العسكرة

في عام 1982 كانت كنيسة السيدة العذراء في مدينة دريسدن قبلة للمتظاهرين أيضا، وكان معظمهم من الشباب. المتظاهرون جابوا شوارع دريسدن في مسيرات صامتة للتعبير عن رفضهم للعنف والحروب وعسكرة المجتمع. وتقول آنّه ماري مولر إحدى المشاركات في هذه المظاهرات، والتي كانت تعمل ممرضة آنذاك: "طلبت حكومة ألمانيا الشرقية من العاملين في المهن الطبية من أداء الخدمة العسكرية والحصول على وثيقة تثبت ذلك". وتتابع مولر التي تدير حالياً المركز الكنسي للمعلومات في دريسدن "أنا وبعض من زميلاتي رفضنا الانصياع لذلك وبدأنا القيام بأنشطة بشكل منتظم تدعو إلى تكريس السلام، وهي أنشطة هيأنا من خلالها أنفسنا للانفجار الشعبي الذي حصل في خريف عام 1989".

وبعد مرور ثلاث سنوات على مبادرة بريتشنايدر وفالكه، قام القس فريدريش شورليمر في مدينة فيتنبرغ بتغيير شكل سيف إلى شفرة محراث. القس شورليمر قام بهذا العمل، الذي يرمز إلى رفض العسكرة وتأييد السلام، في فناء بيت مارتن لوثر بحضور فريق من القناة الألمانية الثانية (ZDF) تحت تصفيقات عدد كبير من الناس. ويتذكر القس شورليمر هذا الحدث قائلا: "لقد نجحنا فيما كنا نصبو إليه رغم وجود عدد كبير من أفراد أمن الدولة، ويمكن أن نصنف هذا العمل في خانة المعجزات التي سبقت خريف 1989".

الـصلاة من أجل السلام

في نفس الوقت، كانت الكنائس تدعو إلى إصلاحات في "ألمانيا الشرقية" من خلال تنظيم صلوات جماعية في لايبتسيغ ومدن أخرى من أجل السلام. تنظيم هذه الصلوات لم يكن من أجل القضاء على الاشتراكية في البلاد، كما يرى كريستيان فورر من كنيسة نيكولاي في مدينة لايبتسيغ، ولكن من أجل مزيد من الحرية والديمقراطية. ومع تزايد نشاط الحركة المسيحية من أجل السلام، لم يعد بإمكان النظام في "ألمانيا الشرقية" تجاهلها. ففي عام 1987 سمحت حكومة "جمهورية ألمانيا الديمقراطية" بتنظيم مسيرة "أولوف بالمه" للسلام التي بلغ عدد مشاركيها حوالي ألف شخص تجولوا في جميع مناطق البلاد حاملين لافتات كتبت عليها مطالبهم.

"سنبقى هنا، نحن الشعب"، هذا الشعار كان يتردد في أكتوبر/تشرين الأول من عام 1989 في شوارع بلاون ودريسدن ولايبتسيغ وبرلين. لكن الشعار الأهم التي كانت تصدح به الحناجر كان هو "لا للعنف". وكان كثير من الحقوقيين يتخوفون من إطلاق سلطات "ألمانيا الشرقية" النار على المتظاهرين السلميين، خاصة بعدما اعتقل المئات منهم في السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

لعب دور الوساطة

ويقول كريستوف تسيمر الذي كان يشغل آنذاك منصب أمين سر مجلس الكنائس: "كان مهما بالنسبة لنا أن تكون احتجاجاتنا طيلة هذه السنين سلمية ودون عنف". ويتابع تسيمر "عندما يسعى المرء إلى تغيير الأوضاع، فغالبا ما يتم التساؤل عن الوسائل التي يتم بها تحقيق ذلك. بالنسبة لنا كانت جميع الوسائل مباحة باستثناء العنف". وقد ساهم تسيمر إلى جانب أسقف ولاية سكسونيا يوهانيس هيمبل في نزع فتيل التوتر في دريسدن، بعدما نجح في إقناع عمدة المدينة فولفغانغ بيرغهوفر الدخول في حوار سلمي مع المتظاهرين.

وبشكل عام نجحت الكنائس في "ألمانيا الشرقية" بشكل استثنائي في تلك المرحلة التاريخية، عندما تحملت مسؤولية القيام بدور الوسيط، كما يوضح ذلك رجل الدين الكاثوليكي فرانك ريشتر: "الكنائس منحت لذلك التحرك الشعبي الذي نسميه اليوم ثورة سلمية المجال والوقت الكافيين لإجراء نقاش مجتمعي تسوده حرية التعبير".