خمسة آلاف عائلة عراقية مسيحية غادرت العراق خلال شهر واحد

غادرت أكثر من خمسة آلاف عائلة مسيحية من منطقة سهل نينوى، ومدينة الموصل، مركز محافظة نينوى بشمال العراق، بإتجاه الأردن ولبنان وتركيا، منذ تهجيرهم من قبل الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، وذلك من بيوتهم ومناطقهم التاريخية في منطقة سهل نينوى وتحديدا بعد 20 أغسطس الماضي.

وحسب الإحصائيات التقريبية، فإن أكثر من 75% من العوائل، فضلت التوجّه إلى الإردن، كمحطة ثانوية للهجرة، والتقديم إلى منظمات الهجرة، والإستقرار في إحدى الدول الأوربية أو أمريكا أو كندا أو أستراليا.

وفي سياق متصل، فإن مئات العوائل حجزت موعداً للطيران، خلال هذا الشهر، لتترك حضارة وتاريخاً لشعب قاسى الويلات على مرّ التاريخ.

وفضّلت هذه العوائل الهجرة، بسبب الأوضاع السيئة التي تعيشها أغلب العوائل المهجّرة من مناطقها بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على المناطق المسيحية والأيزيدية التاريخية في محافظة نينوى، حيث إنها تفترش ساحات الكنائس والحدائق العامة، ساكنةً في خيم بسيطة لن تقيها أمطار الشتاء القادم وبرودته.

تقول فائزة بهنام، موظفة من برطلة، والتي تنتظر موعداً لمغادرة العراق: "الحكومة لا تهتم لوضع المسيحيين بل تحاول تهميشمهم، فعلى الرغم من تهجيرنا منذ أكثر من أربعين يوما، فما يزال الصمت الحكومي موجوداً، وكأننا لسنا من أبناء هذا البلد، رغم أننا من سكانه الأصليين، كما أن الحكومة لم تستطع توفير ضروريات الحياة التي كانت مفقودة من كهرباء وماء".

وتضيف، "المشكلة الحالية أن العرب السنة الذين يحيطون بالمنطقة كانوا من الخلايا لداعش، وخانوا مناطقنا التي أكلوا وشربوا فيها، وخانوا من علمّهم من أبنائها الأبجدية من أبناء المنطقة، وبات من الصعب العيش بالقرب منهم، لأنهم كانوا أول من قصف المناطق المسيحية تمهيداً لدخول "داعش" إليها وتهجير سكانها، كما أنهم سلبوا أغلب منازل مناطقنا المسيحية في محافظتنا نينوى".

أما منير صلاح، ويعمل في التدريس في قره قوش، أكبر المدن المسيحية بالعراق، والمتواجد في تركيا كمحطّة ثانوية للهجرة، فقال، "درسنا تاريخ شعبنا منذ القرون الأولى لدخول المسيحية إلى مناطقتنا، وكيف كان رافداً للبشرية بكل كنوز العلم والمعرفة والحكمة والطب والفلسفة والأدب.... الخ، ولكن منذ غزو الإسلام لبلادنا والمنطقة، تغيّرت كنائسنا وأديرتنا، والعديد منها تحوّل إلى جوامع ومساجد، وقسم من مؤمنينا غيروا عقيدتهم بالسيف "كارهين" حيث العمل بموجب شعار "أسلم تسلم"، وأقولها بمرارة القلب عاجلاً أم آجلاً ستمحو المسيحية في العراق على يد "داعش" عدو الله والبشرية".

وأضاف صلاح، "كان على سيادة البطريرك روفائيل ساكو، أن يطالب دول العالم باسم الإنسانية، الجلاء الكامل لمؤمنينا إلى إحدى الدول، لنكون شعباً لنا خصوصيتنا وتقاليدنا، ونحمل معنا حضارتنا وإرثنا وتقاليدنا، ونحافظ على وجودنا، بدل انتظار الموت وسبي أمهاتنا وبناتنا لهؤلاء القوم من عناصر "داعش" الإرهابية"، بعد عدم الإستجابة له بتحرير مناطقنا وتوفير الحماية الدولية لها".

وتساءل صلاح، "ماذا فعل لنا سياسيونا وغيرهم إلا التشرّد وانتظار الموت على يد أعداء الإنسانية من الدواعش، ولماذا لا يتم إجلاء شعبنا إلى دولة تعطي لنا مكانتنا، وننقل ثقافتنا ولغتنا وإرثنا، ونبني كنائسنا كما فعل آبائنا وأجدادنا بالعراق والشرق الأوسط، ولكن الكنائس مع محبتي الشديدة لها وأديرتنا لا يستطيعوا أن يوجدوا لهم مؤمنين، ولكن المؤمن يمكن له أن يبني ويعمّر بأي بلد كان، ولكن كمجموعة ولننظر إلى بلادنا، ألم تكن مزهوةً بالمئات من الكنائس والأديرة، ولكن ما لبثوا أن العديد منها إلى مساجد".

وأكّد صلاح أهمية أن يتبنّى أدباء وكتاب ومثقفي وإعلاميي شعبنا المسيحي في العراق، النظر إلى مستقبل المسيحيين في العراق، وأن تصدح أقلامهم وتكتب بأعنف الكلمات للسياسيين العراقيين "كفاكم ما تفعلون بمصير شعبنا"، واستفيقوا وانظروا إلى خوالي الأيام كيف كانت بلادنا مسيحية بالكامل، والآن أقلية مضطهدة، وفضح جميع الممارسات التي تطال المسيحيين العراقيين.

أما مشتاق شوني، الذي غادر العراق إلى الأردن في 18 سبتمبر الجاري، فقال، "مستقبل المسيحيين أصبح مجهولاً في العراق، ويستعملون كأدوات للسياسة، فأي مشكلة سياسية تحدث في العراق، يكونوا المسيحيون الضحية الأولى.
ويضيف شوني، "تركت عائلتنا العراق، حيث إستأجرنا بيتاً في الأردن بمبلغ "300" دولار شهرياً، وقدّمنا أوراقنا إلى الأمم المتّحدة، وستكون المقابلة الأولى لنا يوم الأربعاء 24 سبتمبر الحالي".

ويوضّح شوني، "وجود الألاف من المسيحيين العراقيين في الأردن، وبالأخص من منطقة سهل نينوى، بعد أن استولت عليها عناصر "داعش" الإرهابية، وأن المسيحيين العراقيين يزدادون في الأردن يوماً بعد يوم".

ويؤكّد شوني، ضرورة دعم المجتمع الدولي للمسيحيين العراقيين، الذين فقدوا أملاكهم وبيوتهم، وتحرير مناطق سهل نينوى، من أجل عودتهم، وإلا فستبقى هذه المناطق فارغة من ساكنيها، وسينتهي الوجود المسيحي في العراق تدريياً.
الجدير بالذكر، أن أعداد المسيحيين في العراق قاربت المليون وربع المليون، قبل عام 2003، وفي بداية عام 2013، وصلت الإحصائيات التقريبة لأعداد المسيحيين حوالي 500 ألف مسيحي.

ويعاني أكثر من "125" ألف مسيحي، من محافظة نينوى، من ظروف قاسية، حيث يفترشون أغلبهم الخيم الموضوعة، في ساحات الكنائس والحدائق العامة في إقليم كردستان، مع شحّة في المساعدات المقدّمة لهم، وزيادة في حالات الوفيات بسبب أوضاعهم المأساوية وبالأخص بين الأطفال وكبار السن.