صليب
كان الصلب يستخدم في تنفيذ أحكام الإعدام في الإمبراطورية الرومانية قبل ميلاد المسيح بفترة طويلة
THINKSTOCK

ظهرت في الآونة الأخيرة صور مقلقة من سوريا تظهر جثتي رجلين أعدما وعلقت جثتاهما على صلبان. فلماذا ظهرت العقوبة التي كانت تستخدم في روما القديمة الآن باعتبارها سمة من سمات الحرب الأهلية في سوريا؟

وتظهر الصور الرجلين معصوبي الأعين – وأرجلهما وأذرعهما ممدودة على ألواح من الخشب ومقيدة بحبل أخضر اللون.

وغطيت إحدى الجثتين الملطختين بالدماء بلافتة مكتوب عليها: "هذا الرجل قاتل ضد المسلمين وفجر عبوة ناسفة هنا".

وتظهر الصور مجموعة من الناس، من بينهم أطفال، يلقون نظرة فاحصة على الجثتين، في حين يتوجه آخرون نحو أعمالهم العادية في شمال مدينة الرقة وهم منزعجين من رؤية الجثث المعلقة على بعد أمتار قليلة.

وظلت الجثتان معلقتان في وسط أحد الطرق لمدة يومين، وفقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يتخذ من المملكة المتحدة مقرا له، يعتقد أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام هو المسؤول عن الحادث.

وكما حدث في حالة مماثلة في الرقة في شهر مارس/آذار الماضي، يعتقد أن الرجلين أعدما أولا قبل أن تعلق جثتاهما على الصلبان في مكان عام.

ووثقت منظمة العفو الدولية حالة صلب أخرى في اليمن عام 2012 لشاب في الثامنة والعشرين من العمر، أعدم على يد جماعة إسلامية بتهمة زرع أجهزة الكترونية في السيارات تمكن طائرات أمريكية بدون طيار من تعقب وقتل أصحابها. وأعدم هذا الشاب أولا ثم علق على الصليب.

ويقول الشيخ الدكتور أسامة حسن، داعية إسلامي وباحث بارز في الدراسات الإسلامية بمؤسسة كويليام في العاصمة البريطانية لندن، إن هذا الشكل من أشكال العقاب يأتي نتيجة لفهم متطرف للقرآن.

وتقول الآية 33 من سورة المائدة: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم".

لكن حسن يقول إنه لا ينبغي أن نقرأ هذه الآية بمفردها، لأن الآية التالية تقول: "إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم".

وأشار حسن إلى أن الآيات القرآنية التي تبدو قاسية للغاية دائما ما يتبعها خيار التوبة وتذكرة بأن الله غفور رحيم.

وأضاف: "هذه الجماعات تميل إلى العنف الشديد وعدم الرحمة، وهو ما يجلعنا على قناعة بأنهم لا يمتون للإسلام بصلة، وبعيدون كل البعد عن روح الإسلام".

ويرى حسن أن الصلب لا مكان له في العالم الحديث، وأن ما حدث في الرقة كان بمثابة تحذير إلى أي شخص يشكك في قوة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام.

كان الصلب هو المستخدم في الإعدام في الجمهورية الرومانية القديمة في القرن الأول الميلادي
THINKSTOCK

وعلى الرغم من ذكر الصلب في القرآن، إلا أنه يلعب دورا أكبر في الكتاب المقدس. وبالرغم من أن الإسلام يعترف بالمسيح كنبي، إلا أنه لا يؤمن بأنه صلب، وذلك خلافا للمسيحية.
وكانت عقوبة الصلب تستخدم في تنفيذ أحكام الإعدام في الإمبراطورية الرومانية قبل ميلاد المسيح بفترة طويلة.
"المثال الشهير على ذلك هو سبارتاكوس"، على حد قول ماري بيرد، مؤرخة بجامعة كامبردج، في إشارة إلى العبد والمصارع الروماني الذي لقي حتفه عام 71 قبل الميلاد، بعدما قاد تمرد الرقيق.

وقالت بيرد إنه تم إعدام 6,000 شخص من أتباع سبارتاكوس بنفس الطريقة.

وأضافت: "كان الصلب هو المستخدم في الإعدام في الجمهورية الرومانية القديمة – روما في القرن الأول الميلادي. ولم يكن الصلب يطبق على المواطنين الرومانيين. وقد صلب القديس بطرس في روما – والفرق في استشهاد بطرس وبولس هو أن بولس مواطن روماني وبطرس ليس كذلك".

ويعتقد أن بولس أعدم بقطع رأسه، وهو شكل أسرع من أشكال الإعدام، وبالتالي كان مفضلا عن الصلب.

وعلى الرغم من وجود إشارات على الصلب قبل الرومان بمئات السنين، إلا أنها قد تشير إلى أشكال أخرى من أشكال الإعدام – حالات تم خلالها تثبيت الجناة بمسامير على أشجار أو إطارات أخرى وتركهم حتى الموت.

كان ساندي ميتشل (يسار) وويليام سامبسون (يمين) بين سبعة بريطانيين متهمين بالمشاركة في تفجير في المملكة العربية السعودية عام 2000 - وحكم عليهما بالإعدام والصلب قبل أن يطلق سراحهما
AFP

وكانت الكلمة اللاتينية "crux"، والتي عادة ما تترجم إلى "صليب"، تحمل في الأصل معنى أقل تحديدا، يشير إلى أي شيء يستخدم في شنق أو طعن الضحايا.

ومنع الإمبراطور الروماني قسطنطين عقوبة الصلب في القرن الرابع الميلادي. وبعد مرور أكثر من 1000 عام، عاد الصلب إلى الظهور مرة أخرى باعتباره وسيلة لقتل المسيحيين في اليابان.

وفي عام 1597، صلب 26 مسيحيا في ناغازاكي، كما أعدم مئات آخرين بنفس الطريقة خلال القرن التالي.

وأشار تيمون سكريتش، أستاذ التاريخ الياباني بكلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، إلى أن السبب وراء اللجوء إلى الصلب هو أنه يعد إهانة وتحقيرا للشخص المدان، وتحذيرا للآخرين في نفس الوقت.

وأضاف: "في بعض الحالات يترك الجلاد المذنب بضع ساعات، أو حتى الغسق، ثم يقتله بالسيف".

واستخدم هذا العقاب ضد غير المسيحيين أيضا، ففي عام 1651 صلب نحو 150 شخصا بعد انتفاضة فاشلة ضد الحاكم العسكري في اليابان.

وقال سكريتش: "أظن أن معظم الناس نسوا العلاقة بين الصلب والمسيحيين بنهاية القرن السابع عشر في اليابان".

وعلاوة على ذلك، صلب الجنود اليابانيون أشخاصا في الحرب العالمية الثانية، ولعل أفضل الحالات الموثقة في هذا الصدد هو صلب ثلاثة سجناء حرب استراليين كانوا يعملون على خط السكة الحديدية بين تايلاند وبورما، وحكم عليهم بالاعدام لقتل الماشية.

واليوم، لا يزال من الممكن إصدار حكم بـ "الصلب" في المملكة العربية السعودية.

وتقول منظمة العفو الدولية، التي تناضل ضد جميع أشكال عقوبة الإعدام، إن "الصلب يتم بعد قطع الرأس".

وأضافت: "يعلق الجسم، بعد إعادة الرأس المفصولة مرة أخرى، على عمود في مكان عام بهدف الردع".
ويكون هذا العمود في بعض الأحيان، وليس دائما، على شكل صليب.