مقابلة مع سيادة المطران مارون لحام، النائب البطريركي على كنيسة اللاتين في القدس والأردن، تحدث فيها عن الربيع العربي ووضع المسيحيين والتدخلات الأجنبية في العالم العربي.

لقد انطلق الربيع العربي في تونس بإحراق بائع خضار وفاكهة نفسه تعبيراً عن اليأس جراء فساد الحكومة وتدخلاتها في حياة المواطنين. إلى أي مدى تمكنت سياسات المساعدة الإجتماعية من ردع، أو بالعكس، من تسهيل النشاطات الدينية في البلاد؟

أود تكرار أن أحداث الربيع العربي لم تكن لها أهداف دينية. لقد كانت تونس مهد الثورات، والوضع اليوم هو أكثر هدوءً، حيث عاد الناس للتنفس من جديد وإلى الحديث بحرية أيضاً. يجب أن تعلموا بأنه لم يكن مسموحاً في الماضي التلفظ باسم الرئيس، ولا حتى باسم زوجته. اليوم الناس يتظاهرون، ينظمون الإضرابات، يبالغون في بعض الأوقات بالطبع، ولكن ردود الأفعال هذه عادية إلى حد كبير إذا ألقينا نظرة على السنوات الأخيرة. لقد أصبحت تونس مختبر الديمقراطية في البلدان العربية، ويتميز الدستور الأخير الذي تم إقراره بكونه مؤشر موضوعية وتقدم.

كانت إحدى النتائج الأولى للربيع العربي المزيد من التهديدات للأقليات المسيحية. كيف يمكن الربط بين هذا الأمر وتطلع شعب إلى التمتع بمنافع حرية سياسية حقيقية وازدهار إقتصادي واقعي؟

أنا لا أوافق هذا القول، فالثورات العربية لم تندلع في الأصل لضرب المسيحيين، ولم تكن دوافعها دينية الطابع، بل اجتماعية، اقتصادية ومدنية. لقد انضمت الحركات الإسلامية في مرحلة لاحقة ووجهت الضربة إلى الوجود المسيحي. إنه عرَض جانبي سيقل حدة مع الوقت، مرحلة مؤقتة، لأن الإسلاميين الذين استولوا على الحكم في تونس ومصر قد لقوا فشلاً كبيراً، وبالتالي تراجعت قوة الإسلام السياسي. ما أتمنى هو أن تتمكن المجتمعات العربية، بعد هذه السنوات الأربع الزخمة، من أن تصبح أكثر حرية وأكثر مرونة تجاه المسيحيين.

إحدى أكبر المشاكل التي تواجهها البلدان العربية، باستثناء لبنان، تونس والجزائر، هي النظر إلى الحرية الدينية باعتبارها حرية العبادة فقط. أما حرية الضمير فلا وجود لها، لا يمكن إختيار الإيمان، بل ويعاقب في بعض البلدان الارتداد إلى المسيحية بالإعدام. ماذا تفعل "كنائس الجلجلة"، كما سميتها أنت، أو ماذا يمكنها أـن تفعل لتغير هذا الوضع؟

لا يمكن لهذه الكنائس أن تصنع أي شيء، فالقانون يقوم على الدستور الإسلامي، وبما أن أساس التشريع هو الشريعة فلن يتغير شيء: تمنع الشريعة التحول من الإسلام إلى ديانة أخرى. قد نجد الجواب في تطور طويل وصعب للمجتمعات العربية الإسلامية إلى مجتمعات مدنية قادرة على الاعتراف بالحرية الدينية باعتبارها حرية الضمير أيضاً.

اضطرت تونس ومصر وليبيا لمواجهة صعوبات مرتبطة بالإصلاح الدستوري. هل تعتقد بأن على المجتمع الدولي اتباع مبدأ عدم التدخل في شؤون بلد ذي سيادة في كل الأحوال، أم عليه على العكس أن يتدخل، في بعض الحالات، لضمان المكونات الأساسية لدستور ديمقراطي (الحرية الدينية، حرية التعبير والحرية الإقتصادية)؟

نعم، يجب أن يقوم بذلك، ولكن يجب إدراك أن القوى الغربية اليوم تخسر مصداقيتها بشكل متصاعد، لأنه غالباً وخلف ذريعة الديمقراطية والحرية الدينية، تختبئ مصالح سياسية ودولية لا علاقة لها بالقيم المعلن عنها. لقد رأينا ذلك في سوريا: كان يوماً ما بلداً هادئاً مزدهراً، سعيداً، حيث كان المسيحيون يعيشون في سلام، ثم قرروا فجأة خلع الأسد...، صحيح أنه لم يكن القديس فرنسيس، ولكن البديل الذي ظهر في النهاية هو عصابة من إسلاميين مجانين يقطعون الرؤوس. ويجب أيضاً الوعي بأن هناك ثقة ضئيلة جداً في مبررات الدول الغربية حين تتدخل في الأزمات العربية.