في بلادنا ومنطقتنا برمتها، يحلو اللعب بالنار. البعض يعتبر هذا اللعب تسلية والبعض يمارسه كهواية والكثيرون يمارسونه كتجارة. إحدى تسليات "اللعب بالنار" هي ذلك الانشغال فيما يعرف بقضية "الدعوة لتجنيد الشبان العرب المسيحيين في الجيش الاسرائيلي".

بدأت المسألة مع تأسيس ما يسمى "منتدى تجنيد المسيحيين للخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي"، وذلك في شهر آب 2012. ففي تلك الفترة تزايدت شكاوى المسيحيين العرب في مصر وسورية وتم الاعتداء على الكنائس وتصاعد الحديث عن اضطهاد المسيحيين في العالم العربي، بما في ذلك في قطاع غزة. بعد شهرين، وتحديدا في 16 تشرين الأول 2012، عقد المنتدى اجتماعا سريا في مدينة نتسيرت عيليت، تحت رعاية رئيس بلديتها، شمعون جابسو، وهو من حزب الليكود، ويمثل حاليا أمام القضاء في قضية فساد ورشوة. وحضره حوالي 90 شخصا، أبرزهم كاهن في الكنيسة الأرثوذكسية يدعى جبرائيل نداف. وقد كشف أحد الشبان المسيحيين من الناصرة، يدعى ورد قبطي، أمره. ومن هنا بدأت تتدحرج القضية.

الأحزاب العربية راحت تهاجم الفكرة وأصحابها والحكومة ورجالاتها يدافعون عنهم ويشيدون بهم ويقدمون لهم الجوائز. واستقبل رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الكاهن نداف في مكتبه. واستدعت الشرطة ورد قبطي وكل من يشتبه بأنه يمارس ضغطا أو تهديدا له ولبقية أعضاء المنتدى.

السياسيون العرب الذين انتقدوا الكاهن نداف على "تدخله بالسياسة"، توجهوا إلى رجل دين آخر هو البطريرك الأرثوذكسي ثيوفولوس، لكي "يتدخل بالسياسة" ويعاقب الكاهن نداف. لكن البطريرك ثيوفولوس، الذي يضع صورة أمير قطر في صدر مكتبه بجانب الصليب، لم يجرؤ على اتخاذ أي إجراء بحق الكاهن، "لأنه لا يريد ان يتدخل في السياسة". المجالس الأهلية في الطائفة الأرثوذكسية استنكرت حملة التجنيد ومجلس الناصرة دعا لإلقاء الحرمان على الكاهن نداف. وخوفا من أن تنتقل العدوى إلى طوائف مسيحية أخرى، أصدرت الكنائس الكاثوليكية بيانا حول الظاهرة في 26 حزيران 2013، جاء فيه أن أهداف الجيش الإسرائيلي تتناقض مع ضمير المواطن الفلسطيني في إسرائيل وذاته الإنسانية". وأشارت بحق ان "الجيش الإسرائيلي ليس بحاجة إلى مزيد من الجنود، خصوصا إذا كانوا عربا. فمع أن القانون الإسرائيلي، يلزم جميع المواطنين أو المقيمين الدائمين في إسرائيل، ذكورا أو إناثا، في سن 18 عاما، أن يخدموا في الجيش، إلا أن قيادة الجيش حرصت على أن لا يخدم العرب".

وقد ركب نائب وزير الدفاع الاسرائيلي، داني دنون، على الموجة فأعلن عن نيته طرح قانون خاص لتجنيد المسيحيين ودمجهم في الدولة تماما مثل اليهود. فقد وجدها فرصة لإبراز المسيحيين في إسرائيل على أنهم "الوحيدون الذين يعيشون في أمان في الشرق الأوسط"، لا بل يطالبون بتجنيد أبنائهم في الجيش الإسرائيلي كتعبير عن شدة الانتماء. وقد صعق أعضاء الكنيست العرب وتوجه النائب عن التجمع، باسل غطاس، إلى قداسة بابا الفاتيكان طالبا تدخله.

من يتابع تطورات هذه القضية يعجب. فاولا، الجيش الاسرائيلي ليس بحاجة إلى مزيد من الجنود وهو يبادر إلى تقليص خدمة الشباب اليهودي بأربعة شهور. وهو متلبك من إقحامه بمحاولات تجنيد المتدينين اليهود. ولا نراه متحمسا لتجنيد جارف لأية مجموعة عربية، بمن في ذلك المسيحيون. وثانيا، خلال أكثر من 65 سنة على قيام إسرائيل، يعتبر المسيحيون أقل طائفة خدمت في الجيش. واليوم، من مجموع أكثر من ستمئة الف جندي في الجيش الإسرائيلي النظامي والاحتياطي، لا يوجد سوى 300 جندي مسيحي عربي، بينهم 156 عنصرا في الجيش النظامي (الاحصائيات غير رسمية، وهي تقديرية نشرتها صحيفة "هآرتس" في 4 شباط). ومنذ بدأت الحملة لتجنيد المسيحيين، تجاوب 86 شابا جديدا بينهم 8 شابات. وللمقارنة، هناك 12 ألف عربي مسلم متطوعون في الجيش الإسرائيلي، وفقا لمركز "يافة" للدراسات الاستراتيجية.

إذن، لماذا هذه الضجة وراء هذه القصة الممجوجة؟

هل هناك من المسيحيين في اسرائيل من يخاف المسلمين، فيرى أن الجيش هو أفضل وسيلة للاحتماء منهم؟ إذا كان الأمر كذلك، فهذه مهمتنا نحن المسلمين ان نوفر الأمان لهم، وليس ان نهاجمهم.

هل هي محاولة دق أسافين من السلطة الاسرائيلية؟ إذا كان الأمر كذلك، فتعالوا نرفض الانجرار وراء صاحب الأسافين ونترك الموضوع للزمن. فكما حصل خلال 65 سنة سيحصل اليوم ولن يتجند المسيحيون.

هل هي محاولة من الكاهن نداف للشهرة ولفت النظر؟ ممكن. لكن من يوفر له هذه الفرصة هم أولئك الذين يهاجمونه ويجعلون منه قضية. فهم يقدمون له أكبر خدمة.

لكن المشكلة الأكبر هي ان هذه القضية بدأت تتجاوز حدود النقاش والحوار وتتجه نحو التدهور وتهدد بإشعال نار أخرى بين ظهرانينا.