كنيسة القيامة
كنيسة القيامة في القدس

على مدى ثلاثة أيام، اجتمع في العاصمة الأردنيّة عمّان نحو خمسين أكاديمياً وسياسياً وبرلمانياً يجمعهم قاسم واحد وهو أنهم كلهم من المسيحيّين المشرقيّين، أي من الجماعات المسيحيّة الأصيلة الباقية في بلدان المنطقة من مصر إلى فلسطين والأردن والعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان. كان المؤتمر البحثي –الذي شارك فيه موقع "المونيتور"- منعقداً تحت عنوان "المسيحيّون المشرقيّون في ظلّ الربيع العربي". لكن كلمات قليلة من مطالع أوراق العمل المقدَّمة أو من خلاصاتها والتوصيات، كانت كافية لإدراك التباس العنوان: فلا المسيحيّون واثقون من بقائهم في هذا المشرق، ولا ربيع في تلك المنطقة التي عاشوا فيها منذ أكثر من ألفي عام.

شهادات الباحثين من المسيحيّين إلى المؤتمر كانت مؤثّرة. وقد توزّعت عروض المعاناة على ثلاثة مستويات: أوضاع المسيحيّين المشرقيّين في بلدانهم من الناحية الدستوريّة والقانونيّة والممارسات الفعليّة، ثم الواقع الديموغرافي لهؤلاء وصولاً إلى توقّعاتهم للمستقبل.

على المستوى الأول، ظهر سريعاً أن ثمّة تمييزاً عنصرياً قاتلاً يعاني منه كلّ مسيحيّي المنطقة، لجهة نصوص دساتير بلادهم وقوانينها وممارساتها. كلّ دساتير دول المنطقة باستثناء لبنان، تعتمد نصاً واضحاً من نوع "دين الدولة هو الإسلام" أو "دين رئيس الدولة هو الإسلام"، فضلاً عن تحديد الشريعة الإسلاميّة كمصدر لتشريع قوانين الدولة وأنظمتها. تمييز أوّل تأسيسي، تنبثق منه سلسلة لا تنتهي من التمييزات والاضطهادات والمعاناة. وراح يشرح أحد البرلمانيّين بسخرية سوداء، وضعيته كمسيحي في بلاده. فقال "ينصّ دستور بلادنا على أن رئيس الدولة يجب أن يكون مسلماً ومولوداً في بلادنا. في المقابل، تنصّ قوانين الأحوال الشخصيّة عندنا المنبثقة بدورها من الشريعة الإسلاميّة، على أنه إذا عُثر على لقيط ما في بلادنا مجهول الأب أو الأم أو الاثنَين معاً، يسجّل تلقائياً على أنه مسلم". تابع البرلماني "وبالتالي تصوّروا معي أن طفلاً لقيطاً وطفلة لقيطة وجدا عندنا، وصارا طبعاً مسلمَين. بعدها، أنجب الاثنان ابناً، مسلماً بالطبع. هنا، يحقّ دستورياً لهذا الابن المجهول النسب كلياً بالنسبة إلى المسلمين من أبناء بلدنا أن يكون رئيساً للجمهوريّة، ولا يحقّ لابني وهو ابن هذه الأرض منذ آلاف السنين أن يطمح إلى هذا المنصب".

برلماني آخر من بلد مشرقي آخر، راح يشرح عمليات الاضطهاد المنهجيّة والمقنّعة التي يتعرّض لها أبناء الجماعات المسيحيّة المختلفة في بلاده. هؤلاء لا يحقّ لهم تعليم أبنائهم الدين المسيحي، حتى في ما تبقّى لهم من مدارسهم الخاصة. في المقبال تعلّم الدين الإسلامي إلزامي لأبنائهم. كذلك، ثمّة صعوبات كبرى تعترض وصولهم إلى الوظائف العامة في الإدارات الرسميّة. فمن دون نصوص ولا قوانين حول الموضوع، ثمّة تمييز صارخ ضدّ توظيف المسيحيّين في القطاع العام. أكثر من ذلك، في القوى المسلحة حيث يتمّ قبول بعض المسيحيّين، يستحيل على الضابط المسيحي أن يتخطّى رتبة مقدّم أو أن يكون في مركز عسكري أو أمني حساس. أما الحجّة المعروفة، فهي أن ضابطاً طياراً مسيحياً انشق عن جيش بلاده قبل نصف قرن وهرب بطائرته إلى إسرائيل. حجّة ما  زالت صالحة وكافية لتطبيق تمييز عنصري ضدّ كلّ العسكريّين المسيحيّين، منذ خمسين سنة.

برلمانيّة مسيحيّة من بلد مشرقي ثالث يوصف بأنه من رموز "الاعتدال الديني" في المنطقة، راحت تروي معاناة المرأة المسيحيّة في بلادها مع القوانين والأنظمة المستمدّة من الشريعة الإسلاميّة. طبعاً، كما في كلّ هذه الدول، يمكن للرجل المسلم أن يتزوّج مسيحيّة. لكن لا يمكن للمرأة المسلمة أن تتزوج رجلاً مسيحياً، إلا إذا تحوّل إلى الإسلام. عدم المساواة في حالات الطلاق والإرث مطلقة. فالمرأة نصف الرجل. وفي غياب الوريث الواضح، تذهب ممتلكات المتوفي إلى الأوقاف الإسلاميّة. أما في حالة متوفّ مسيحي، فتذهب إلى الدولة لا إلى وقف مسيحي كنسي. أكثر من ذلك، وصاية المرأة المطلّقة على أولادها تختلف بحسب دينها. فإذا كانت مسلمة، يحقّ لها الوصاية على أبنائها حتى سنّ الثالثة عشرة. أما إذا كانت مسيحيّة فوصايتها تنتهي عند سنّ التاسعة. المعيار هنا دين الأم حصراً، لا مصلحة الأولاد ولا الظروف المثلى لتربيتهم ونضوجهم...

بعد اضطهادات الدساتير والقوانين والممارسات، جاء الكلام عن الواقع الديموغرافي للمسيحيّين في أوطانهم. سمة واحدة مشتركة: إنهم ضحايا عمليّة انقراض جماعي بطيئة ومقنّعة، عمليّة مستمرّة منذ زمن بعيد لكنها باتت اليوم على عتبة تطوّرات مفصليّة. أكثر من مليون مسيحي اختفوا من العراق، من أصل أقلّ من مليونَين. نصف مليون مسيحي تركوا سوريا من أصل نحو مليونَي مسيحي. أقباط مصر صامدون، لكن بأثمان مأساويّة دائمة. في لبنان تراجع واضح. كلّ الظروف والإجراءات والمناخات تدفع إلى ما يشبه الترانسفير الكامل. كلهم على طريق مسيحيّي فلسطين، بحسب ما صرخ أحد المشاركين الآتين إلى المؤتمر من أورشليم القدس. قال بلهجة يخالطها الأسى والحزن "لم نعد في كلّ بلادنا إلا نحو 40 ألف مسيحي فقط. في كلّ قطاع غزّة حيث ساد حكم الشريعة الإسلاميّة منذ أعوام عدّة، ما زال هناك 1300 مسيحي فقط. حتى في أورشليم القدس، أورشليم القيامة ومهد المسيحيّة، لم يعد هناك أكثر من 4 آلاف مسيحي"...

الإسلاميّون من "إخوان" وغيرهم، كانوا حاضرين في المؤتمر. يسمعون. لا يعلّقون إلا بكلمات قليلة تعنيهم. لماذا؟ من يتحمّل مسؤوليّة تلك المأساة؟ وما هي المعالجات الممكنة لأكبر كارثة إنسانيّة في عصرنا؟ أسئلة نعالجها في المقال التالي.