بالرغم من اعتراف كثير من المسيحيين الأتراك بما أنجزته الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية، لكن هذا لم يمنعهم من المشاركة في الاحتجاجات بحديقة غيزي في ميدان تقسيم منذ أواخر الشهر المنصرم، وذلك للاحتجاج على ما يعتبره بعضهم استبدادا من الحزب الحاكم وتدخلا في أسلوب حياتهم.

وفي جولة للجزيرة نت، التقينا صياد تيكير، وهو شاب أرمني كان من المحتجين الأوائل مع مجموعة من الأرمن الناشطين في مبادرة ''نور زارتونك '' -أي الصحوة الجديدة- حيث أشار إلى أن هدف مبادرتهم هو الانطلاق من المجتمع الأرمني إلى باقي المجتمعات في تركيا ''لضمان تنمية فكرية تعتمد على القيم العالمية للحرية".

ورأى أن تعرض الأرمن لما وصفه بممارسات تعسفية جعلهم يفضلون البقاء بعيدا عن الاحتجاجات "حتى أن بعضهم عندما تجرأ على إعلان دعمه لها اكتفى بإطفاء أنوار منزله والتصفيق من النوافذ".

وأضاف أن احتجاجهم جاء أيضا للدفاع عن إرثهم "لأن جزءا من حديقة غيزي كان مقبرة أرمنية ما بين عامي 1551 و1939 قبل أن تتم مصادرتها" من قبل الدولة التركية، مشيرا إلى أنهم أقاموا شاهد قبر رمزي في الحديقة كتبوا عليه "لقد صادرتم مقبرتنا لكنكم لن تتمكنوا من مصادرة حديقتنا".

مطالب

وبالرغم مما أبداه الحزب الحاكم من انفتاح تجاه الأقليات المسيحية في تركيا، والتي تضمنت إعادة بعض الأوقاف الخاصة بهم، فإن تيكير لا يرى هذا كافيا، مشيرا إلى أنه ينظر للأمور من ناحية حقوق المواطن، حيث يرى أن الأرمن يعانون حتى الآن من التمييز داخل المجتمع الذي ما زال يستخدم صفة "أرمني" كتعبير سيئ.

كما عبر الناشط الأرمني عن استيائه من عدم دعم الحكومة التركية لمدارس الأرمن التي تدعم فقط من قبل أبناء الجماعة نفسها، معتبرا ذلك تمييزا ضده، على اعتبار أنه مواطن تركي يدفع ضرائبه للدولة.

من جهة أخرى، قال ناشط من الطائفة السريانية -اشترط إخفاء اسمه- أن توقعاتهم بتحسن أوضاعهم بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم كانت عالية جدا، لكن الحكومة لم تمنح الحريات الديمقراطية إلا "للقسم الذي يؤيدها" وفق قوله.

وأشار إلى أن السريان لم يحصلوا على حقوقهم التي طالبوا بها، مثل إقامة كنيسة لهم في إسطنبول، وافتتاح مدرسة ابتدائية لتعليم أبنائهم باللغة الأم، حيث لم تبت الحكومة بعد بشأن بناء الكنيسة لكنها رفضت طلب إقامة المدرسة.

وعبر الناشط عن غضب طائفته من شيوع عبارات تصف السريان في كتب التاريخ المدرسية بأنهم "خونة" مؤكدا أن أبناء طائفته عبروا بقوة عن رفضهم للأمر وطالبوا بتغيير المناهج.

حق التعبير

وفي حديث مع الصحفي الأرمني بجريدة "أغوس" روبير كوبتاش، رأى أن المسيحيين بشكل عام يدعمون الاحتجاجات رغم عدم كونهم معارضين للحكومة، معترفا في الوقت نفسه بأن الحكومة أعادت لهم بعض حقوقهم وأنهم مدينون لها بأمور عدة ومنها حق التعبير.

وأشار كوبتاش إلى أن بعض القوانين التي أقرت من قبل الحزب الحاكم موخرا -مثل قوانين التضييق على الخمر والإجهاض- جعلت الكثيرين يشعرون بأن هناك تدخلا مباشرا من الحكومة في حياتهم الخاصة.

وانتقد الصحفي الأرمني "العنف" الذي استخدمته شرطة مكافحة الشغب ضد المحتجين وأسلوب رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان "الفظ" مشيرا إلى أن مشاركة المسيحيين في الاحتجاجات تهدف إلى إرسال إنذار للحكومة ودعوتها لسماع أصواتهم وعدم تهميشهم لأنهم مواطنون أتراك، وفق قوله.

ويبلغ عدد المسيحيين في تركيا حوالي 163 ألفا، ويقيم قسم كبير منهم في مدينة إسطنبول، ويعملون في التجارة والحرف اليدوية مثل صياغة المجوهرات، بينما يقيم آخرون في القرى ويمتهنون الزراعة و تربية المواشي.