أعلنت رئيسة دير مار يعقوب المقطّع بالقلمون بريف دمشق الأم أغنيس مريم الصليب أنّ المسيحيين في سوريا وكما حصل في العراق بدأوا يهاجرون من مناطقهم حيث ان نحو 15 بالمئة منهم هُجروا من مناطقهم ونحو 100 الف باتوا خارج سوريا بينما نحو نصف مليون تضررت منازلهم، أي أنّ نصف المسيحيين في سوريا تضرروا من الوضع القائم.

الأم أغنيس، وفي حديث لـ"النشرة"، لفتت إلى أنّ المسيحيين ليسوا معزولين عن باقي الشعب السوري، مشيرة إلى أنّ "الشعب السوري ككل يعيش فوضى ووطأة عدم الاستقرار وانعدام الامن وغياب الدولة عن أماكن كبيرة جدا من الوطن السوري، حيث تكاثرت أعمال الشغب والنهب والسلب والخطف لأهداف مادية وللمطالبة بفدية وهذا كله مشهد عام لكل الأماكن في سوريا التي خرجت عن سلطة الدولة".

واوضحت ان "هناك شرائح مسلحة اسلامية تتطلع الى الآخرين ككفار، وحتى الاسلاميين المعتدلين هم كفار بالنسبة لهذه الشرائح، والجزاء الذي تعتمده هو العنف والقتل"، مشيرة إلى أنّ "هذا التصرف ليس شاملاً بل هو آني يأتي من الشحن المذهبي الذي يقوم به بعض الدعاة والائمة مثل الشيخ العرعور والقرضاوي، وهؤلاء يبتكرون اسساً دينية ليشرّعوا اللجوء الى العنف والى الضغط وكل انواع السلب وانتهاك حقوق الانسان وتقطيع الرؤوس والجثث"، لافتة الى ان "هناك خطاباً اسلاموياً يشحن النفوس ويجعل الاشخاص يقومون بأعمال لا يقومون بها عادة ويستغلون الدين لشحن النفوس لتبرير أعمال همجية لا تقبل بها أي شريعة".

من يقتل وينهب ويقطع الجثث يعرف أن لا أحد سيحاسبه
ورأت الأم أغنيس ان "هناك غطاء دولياً لهذه الحالة، فمن يقتل وينهب ويغتصب ويقطع الجثث يعرف ان لا احد سيحاسبه"، موضحة ان "المسيحيين كغيرهم في مهب الريح وفي بعض الاحيان هناك نكد عليهم لان المسيحيين لم يأخذوا موقفاً صريحاً من الاحداث، فهم مع الحرية والديمقراطية ولكن لا يمكن القول انهم تخلوا عن الدولة، فالمسيحيون لا يمكنهم البقاء دون دولة لان لا احد يدافع عنهم وليس لديهم ميليشيا مسلحة ولا يمكنهم ترك الدولة ليس لانهم مع النظام بل لانهم يسعون لابقاء وجود قانون يحفظ لهم حقوقهم وسلامتهم"، معتبرة ان "هذا الموقف وضعهم في مكان صعب، ففي حمص مثلا ورغم انه لم يكن هناك احد يحارب ضد الثورة فعند "تحرير المنطقة" ادى ذلك الى تهجير 130 الف مسيحي منها، كما ان مضايقات طالت المسيحيين في حلب واُطلقت قذائف على الاماكن المسيحية وبعض الكنائس وحصلت مضايقات لم تصل الى حد الاضطهاد ولكنها مضايقات علنية وكأن هناك محاولة للقول ان المسيحي كان ضد الثورة".

كما كشفت ان "في منطقة راس العين وعندما حصلت عملية "تحرير" المنطقة، كما يقولون، دخلوا اولاً الى المنازل المسيحية وبكلمات غير محترمة قاموا بطرد المسيحيين، ما ذكّر هذه العائلات المئتين كيف جاء آباؤها من الاناضول وديار بكر خلال الجريمة التركية التي طالتهم".

ولفتت الى ان الجميع "كانوا يطالبون في اول الثورة بالاصلاح والتغيير وحتى اليوم هناك مسيحيون مقتنعون بالاصلاح والتغيير عبر الثورة ولكنهم اقلية"، مشددة على ان "المسيحيين لم يتسلحوا الا ضمن لجان شعبية لحماية مناطقهم وبطريقة خجولة وبشكل اضطراري خوفاً من هجمات عليهم".

وأكدت الأم أغنيس أنّ "هناك علامات استفهام عند الاقليات حول ما يُسمى بالامارات الاسلامية، وماذا سيحصل فيها واين الحرية والديمقراطية والاصلاح والتغيير اذا كنا سننتقل من نظام شمولي علماني الى نظام شمولي ديني لأننا ضد استعمال الدين لتصنيف الدولة وتهميش المواطنين الآخرين ونريد ان يكون الجميع على قدم وساق ومتساوين في الحقوق"، مشددة على "اننا لا نفهم بأي تركيبة يمكن ان يتحقق الأمن والمساواة والاستقرار لكل شرائح الوطن في نظام اسلاموي خاصة أن سوريا فسيفساء من الشعوب والاديان والاتنيات المختلفة ولا يمكن لشريحة واحدة ان تحكم".

ورأت ان "لا حلول للأزمة السورية طالما هناك دول عظمى ترعى الفريقين المتصارعين، فالدعم الخارجي يؤجج الصراع ويطيله، ونحن نصلي للوصول الى اتفاق"، مشيرة الى ان "هناك لجاناً مكونة من مواطنين عاديين وليسوا مع احد وهي الاغلبية الصامتة ابتدعت مبادرة سمتها مبادرة المصالحة الوطنية كي لا تنتظر الحلول من فوق، وهذه اللجان بدأت ببلسمة الجروح وحلحلة الاوضاع في المناطق والسعي لحقن الدماء، كما انها لا تتعدى على المواطنين وتلجم اعمال الشغب".

وعن دور الكنيسة في ظل الظروف الراهنة بسوريا، أوضحت الأم أغنيس أن "الكنيسة لديها دور فاعل عبر كاريتاس سوريا، والكنيسة تساعد السوريين الذي هُجروا الى لبنان والاردن وتركيا وتساعد المواطنين ايضا في سوريا، كما ان بطريركية الروم الأرثوذكس تقوم بعمل مميز جداً ولديها تنظيم واندفاع عظيم".

لكن الأم أغنيس أشارت إلى أنّ "التحرك صعب جداً في سوريا مع انعدام الامن، حيث أنّ هناك عصابات توقف الناس للتجني الفئوي والطائفي عليهم، وهناك عدم استقرار وحاجة، ففي حلب لا يتوفر المازوت والغاز، وبعض الناس يموتون من الجوع كما أنّ عائلة أحرقت ألعاب اطفالها لتتدفأ".

ولفتت إلى أنّ "المسيحيين مأخوذون بهذه المأساة وهم الحلقة الضعيفة فلا قيادة لهم، ولكن هناك رجاء كبير، والمسيحيين يثقون بالرب ويقدمون شهادتهم كصلة وصل بين اخوانهم".