أصبحت حالات اختطاف المسيحيين في سوريا وطلب الفدية من ذويهم أمرًا اعتياديًا. فنقرأ قصة هامليغ بدروسيان وهو طالب مسيحي، عمره ثلاثة وعشرون عامًا من مدينة حلب (ذكرت قصته في صحيفة اندبندنت البريطانية)، اختطف وصديقته أثناء توجههما إلى مجمع تجاري في المدينة. وقد تعرض هامليغ وصديقته للضرب والتنكيل إلى أن تم الإفراج عنهما مقابل فدية قدرها 12 ألف دولار.

ويروي مارك، سوري مسيحي، حادثة اعتراض مسلحين باصًا قادمًا في مدينة سراقب الخاضعة لسيطرة المعارضة في شمال غرب سوريا. فقد طلب المسلحون من المسيحيين أن يرفعوا أن أيديهم، ثم أخرجوهم من الباص واحتجزوهم، واحتجزوا معهم راكبًا كرديًا اتهموه أنه "يدعم بشار الأسد".

وفي اليوم التالي قام المسلحون بالإفراج عن رجل منهم يبلغ من العمر نحو ستين عامًا، وأمروه أن يجمع فدية مقدارها 48 ألف دولار، وإلا سيُقتل جميع المختطفين المسيحيين الباقين وعددهم ثمانية، ما زالوا محتجزين في أيدي المسلحين.

أما مارك فقد نجى من الاختطاف لأنه كان يجلس إلى جانب سائق الباص وظن المسلحون أنه مساعده، وبذلك استطاع أن ينشر خبر هذه الحادثة. وأكد ناشط سوري في مجال حقوق الانسان حصول الحادثة التي شهد مارك عنها، واتهم مسلحين اسلاميين متطرفين بالقيام بها.

تبلغ نسبة المسيحيين في سوريا حوالي 12% بالمئة، ومع اندلاع الثورة الشعبية في سوريا انقسم المسيحيون السوريون إلى ثلاثة أقسام: قسم مؤيد للنظام، وقسم داعمٌ للثورة، وقسم حيادي (وهو القسم الأكبر). وبذلك لا يختلف المسيحيون عن جميع فئات الشعب السوري الذي يدعم بعضه النظام، وبعض الآخر يدعم الثورة وآخرون يلتزمون الحياد. فلماذا إذًا يُختطف المسيحيون ومن يريد نشر الرعب بين صفوفهم لكي يرحلوا من البلاد التي عاشوا فيها مئات السنين؟

يؤكد ناشطو حقوق الإنسان في سوريا أن مجموعات إسلامية متطرفة من جنسيات غير سورية لها أجندات جهادية دخلت بين صفوف المعارضة السورية العلمانية وحرضتها على المسيحيين. ويقول آخرون أن المختطفون هم عصابات انتهازية تستغل غياب النظام والأمن لتقوم باختطاف المسيحيين وتطلب فدية من ذوويهم مقابل الإفراج عنهم. وآخرون يدعون أن بعض المعارضين السوريين غاضبون على المسيحيين لأنهم لم ينضموا إلى الثورة. تنفي منظمة "سوريون مسيحيون" الإمكانية السابقة، وتقول أن هجرة المسيحيين من سوريا بدأت في الستينات عندما وصول حزب البعث إلى الحكم في سوريا.

على أي حال، وللأسف، يتكرر المشهد الذي رأيناه في العراق، بعد الاجتياح الأمريكي عام 2003، في سوريا اليوم. والتجربة العراقية تعلمنا أن في ظل انعدام الأمن وغياب النظام، يعاني المسيحيون من الظلم والاضطهاد، ويهاجر عشرات الآلاف منهم ويُهجّرون وتصبح أعدادهم قليلة في أوطانهم.

وتعلمنا التجربة العراقية أيضًا أن إعادة الأمن والنظام إلى البلد أهم من تحميل هذه المجموعة أو تلك مسؤولية الاضطهاد الحاصل للمسيحيين. فبصرف النظر عما إذا كانت أسباب اختطاف المسيحيين دينية أم تجارية، لن يستطيع أحد منع الاختطاف إلا إذا عاد الأمن والنظام.
ولذلك نناشد صانعي القرار في العالم، إن وصل نداؤنا إليهم، أن يعملوا على إنهاء الحرب في سوريا.
ونصلي أن تنتهي الحرب الأهلية في سوريا بسرعة، لكي ينعم جميع السوريين، مسلمين ومسيحيين، بالسلام.

ونصلي أن يعطي الرب إخوتنا المسيحيين في سوريا الحكمة والشجاعة على مواجهة التحديات الصعبة وعلى الاستمرار في الشهادة عن المسيح في المكان الذي وضعهم الله فيه.