أشارت اليوم صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية إلى أن الأوضاع في سوريا - دوناً عن غيرها من بلدان المنطقة التي شهدت تداعيات موجة الربيع العربي- هي أكثر ما تقلق الأقليات الدينية في منطقة الشرق الأوسط، محذرة من أنه " في خضم تلك الاضطرابات، باتت الأقليات (كالمسيحيين ، العلويين والدروز ) مهددة بأن تصبح في مرمى نيران النضال الإقليمي الشامل داخل الإسلام بين الأغلبية السنية في المنطقة وبين الشيعة ".

وأوضحت أن التخوف قائم على احتمالية الإطاحة بإحدى الأقليات – وهم العلويون - التي تحكم من خلالهم عائلة الأسد البلاد منذ أكثر من أربعة عقود – وهو ما سيتيح الفرصة لظهور شياطين طائفية تهدد جميع الأقليات الموجودة في المنطقة.

ونوهت الصحيفة في هذا الصدد بالذكريات المؤلمة التي عاشها العراق، في أعقاب الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، وتداعيات المذابح العرقية والطائفية التي تلت ذلك على الشعب في الداخل وعلى المنطقة بأسرها في الخارج، ولذلك أشارت الصحيفة الى أن تلك الثورات ستكون بحاجة لبناء كل شيء بدءا من سيادة القانون وانتهاءً بثقافة سياسية تعددية، لكي تضمن النجاح.

ورأت الصحيفة أن الاختبار الأكبر الذي ستواجهه الصحوة العربية سيتمثل في درجة الحس والإنصاف الذي ينتظر أن يتعامل بها النظام الحاكم الجديد في المنطقة مع الأقليات، وبخاصة الذين يعيشون في بلدان - مثل سوريا- والتى تعتبر موطناً لنسيج هش من الطوائف والجماعات العرقية.

وما زاد من خطورة الأوضاع بالنسبة إلى الأقليات في المنطقة بشكل أكبر- بحسب الصحيفة - هو انهيار الأنظمة الحاكمة في كل من تونس ، مصر وليبيا على مدار العام الماضي، وهو ما جاء ليهدد باحتمالية صعود تيار الإسلام السياسي، بشكل أساسي في صورة جماعة الإخوان المسلمين، التي تعتبر " أقدم وأفضل جماعة إسلامية سنية منظمة في العالم العربي ".

وأوضحت الصحيفة أن المسيحيين ينظرون إلى التيار الإسلامي باعتباره قفزة إلى عالم المجهول، ونقلت عن المطران بولس مطر، رئيس أساقفة بيروت للموارنة، قوله " حين يصل الإسلاميون إلى السلطة، هل سيجلبون معهم أفكارًا تنتمي للعصور الوسطى أو عقلية جديدة من المساواة ؟ ".

وعبر كذلك الزعيم الدرزي، وليد جنبلاط، عن تخوفه من أن يتسبب الصراع السني – الشيعي بطحن الأقليات بين حجرين، وتابع بقوله " دور الدروز السياسي انتهى، وهو ما ينطبق كذلك على المسيحيين، وسيتركز اهتمام الأقليات من الآن فصاعداً على الشيعة، لاسيما في لبنان حيث يسيطر حزب الله على معظم البلاد".

فيما قال فلاح مصطفى، مسؤول دائرة العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كردستان، إن العراق قد ينغمس مرة أخرى في الجحيم، من خلال المواجهة القائمة بين حكومة نوري المالكي متزايدة الاستبداد وبين الأقلية السنية، ونتيجة الواقع السياسي لهذا الصراع، فضّل المالكي أن يقف إلى جوار نظام الأسد، تخوفاً من أن تصل جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في سوريا.

وتابعت الصحيفة في الإطار ذاته بقولها " إن الخيار أكثر وضوحاً للأقليات المعرضة للخطر بشكل أكبر من الشيعة، سواء بالتشبث بالأنظمة التي تقدم غطاءً أمنياً أو بمواجهة خطر صعود التيار الإسلامي الذي يخشون من أن يقضي مستقبلاً على الحريات الدينية" .

وقالت الصحيفة " إن التوترات الحاصلة في مصر- على سبيل المثال- بين المسلمين والأقباط، يبدو أنها تُثار جزئياً من قبل أفراد الجهاز الأمني للرئيس المخلوع مبارك، الذين يهدفون في ما يبدو على إجبار المواطنين على الاختيار بين النظام القديم والفوضى"، على حد تعبيرها.

وفي سوريا يلعب نظام الأسد على الوتر الطائفي، حيث يستهدف الأقليات كالمسيحيين والدروز ويخبرهم بضرورة أن يقفوا إلى جانبه، لأنه إن سقط، فسيلقون المصير نفسه، في مواجهة الأغلبية السنية التي يصوّرها النظام بأنها (أصولية).

وقال محمد مطر- وهو محامٍ شيعي لبناني بارز- " إن جميع الأنظمة العربية تقيم نفسها على معادلة طرفيها إما أن تحظى باستقرار معنا أو أن تعيش في فتنة ".

وأضاف " الضمان النهائي للأقليات هو سيادة القانون، أي الإجراءات القانونية الواجبة والحقوق المدنية وحقوق الأقليات وأن تكون مواطناً في داخل الدولة التي تتمسك بتلك الحريات".

ام سي ان