كيف ينظر الهولنديون المسيحيون لأشقائهم المسيحيين في الأراضي الفلسطينية؟ وهل يلعب التاريخ والصراع السياسي دورا في تقبل الكنائس الهولندية لوجهة نظر الفلسطينيين المسحيين في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ لماذا لم تتبن الكنائس الهولندية وثيقة "وقفة حق" التي يناشد فيها الفلسطينيون العالم بالتصدي للاحتلال؟ هذه بعض التساؤلات التي يطرحها المؤتمر المنعقد حاليا في الجامعة الحرة بأمستردام تحت شعار "ساعة الحقيقة: وقفة حق هولندية مع فلسطين".

وقفة حق
يركز المؤتمر أعماله حول الوثيقة الفلسطينية ("وقفة حق" كلمة أيمان ورجاء ومحبة من قلب المعاناة) وهي مناشدة عالمية من أجل إيجاد حل سلمي وعادل لكافة الأطراف المعنية في الصراع السياسي. تُعرف الوثيقة التي وضعها مثقفون علمانيون ورجال دين فلسطينيين باسم Kairos document أو وثيقة "وقفة حق" . وحتى الآن تبنت بعض الكنائس في أوربا وأمريكا الوثيقة لكن الكنائس الهولندية لا زالت مترددة إزاء اتخاذ موقف ديني من الصراع السياسي.

أحد المساهمين في هذه الوثيقة هو الأب جمال خضر من جامعة بيت لحم والذي شارك في المؤتمر. حول الوثيقة يقول الأب خضر: "هي توثيق الموقف المسيحي من الوضع القائم في فلسطين وواقع الاحتلال الذي نعيشه. نداؤنا هو تعبير عن إيماننا في إله محب للبشر لا يقف مع شعب ضد شعب آخر. نحاول في الوثيقة الإجابة على محاولة استغلال تعاليم الكتاب المقدس من أجل دعم دولة إسرائيل".

الوثيقة الفلسطينية تعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية خطيئة وشر لا بد من التصدي له باستخدام المقاومة السلمية بما في ذلك مساندة حملات مقاطعة وسحب الاستثمارات من المشاريع الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويرى الأب جمال خضر بأن الوثيقة ساهمت في إدراج القضية الفلسطينية في النقاش الدائر داخل الكنائس الهولندية وهو ما يعتبره تغيير نوعي في تعامل الكنائس الأوربية لما يدور في الشرق الأوسط.

مسيحيو هولندا
أحد منظمي المؤتمر والذي يستمر على مدار يومين هي يانيكه ستيخمان الباحثة في علم اللاهوت في الجامعة الحرة بأمستردام والتي تأمل أن تتبنى الكنائس الهولندية وقفة حق مع الفلسطينيين. تقول ستيخمان:

"نُشرت الوثيقة الفلسطينية في ديسمبر 2009، وعُرضت حينها على الكنائس الهولندية التي وعدت بأن تدرسها، لكن خلال عامين لم يحدث أي شيء. نرى أنها وثيقة مهمة من شأنها أن تغير وجهة نظر الكثيرين عن الصراع الدائر، وأن تكون أدار للتغيير".

حتى الآن لم تتبن أي الكنائس الهولندية هذه الوثيقة التي يعتبرها البعض مثيرة للجدل. ما هي العقبات التي تقف في طريق الكنائس الهولندية لتبني هذه الوثيقة؟ ترى ستيخمان أن الكنائس متخوفة من الانعكاسات السياسية المترتبة عن تبني موقف مساند لمسيحيي الأراضي الفلسطينية علما بأن دستور المجمع الكنسي البروتستانتي الهولندي ينص أن للكنيسة "ارتباط أبدي" بإسرائيل لا يمكن التخلي عنه. ويترسخ هذا الارتباط في جذور الكنيسة المسيحية المنبثقة عن التراث اليهودي.

"هكذا أحب الله العالم"
العلاقة التوراتية مع الأرض كانت أيضا موضوع نقاش خلال ورشات العمل التي عقدت خلال المؤتمر. القس الدكتور نعيم عتيق مدير مركز السبيل للاهوت التحرر تحدث خلال المؤتمر عن تفسيره لمفهوم أرض الميعاد وكيفية مواجهة المعتقدات الصهيونية التي تقول بأن فلسطين هي أرض الميعاد للشعب اليهودي فقط.

"نرى أن هذا تفسير خاطئ للنصوص. هنالك بالفعل نصوص تشير إلى كونها أرض الميعاد لكننا في العهد الجديد الذي نؤمن به تجاوزنا هذه التفسيرات. المعتقدات الصهيونية غير قابلة للتطبيق والحياة لأنها لا تعكس محبة الله لكل البشر". ورسالة المسيح للجميع في العهد الجديد تقول: "لأنه هكذا أحب الله العالم".

يرى الأب عتيق بأن الكثير من المؤمنين الهولنديين يشاركونه وجهة نظره ويؤمنون بأن الله هو"آلهة العدالة والحق للجميع" لكن المشكلة وفقا للأب تكمن في المؤسسات الكنسية الرسمية وتاريخ هولندا في الحرب العالمية الثانية.

تشعر الباحثة ستيخمان بأن هنالك تغيرات خجولة وبعض الليونة من قبل الكنائس لسماع وجهة نظر الفلسطينيين وتقول: "هنالك بالطبع مجموعات داخل الكنيسة تعتبر أن الوثيقة معادية للسامية ومعادية لدولة إسرائيل... لكننا نلاحظ في هذا المؤتمر أن زعماء الكنيسة مقتنعون بضرورة إيجاد حل عادل وسلمي لكلا الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي. كما أن هنالك جماعات إسرائيلية و يهودية تدعم الوثيقة أمثال مجموعة "صوت يهودي آخر في هولندا".

أثار المؤتمر أيضا انتباه سيدتين يهوديتين تظاهرتا خارج القاعة وهن يحملن لافتات تصف الوثيقة الفلسطينية بأنها معادية للسامية وضد الدولة العبرية. واجتذب المؤتمر الذي نظم بالتعاون مع الجامعة الحرة بأمستردام أكثر من 200 شخص من كافة الكنائس الهولندية والمنظمات غير الحكومية.

تقرير عبير صراص/إذاعة هولندا العالمية