كثيرون لا يعرفون بوجود كنيسة في منطقة الحوش في مدينة صور، حتى من أبناء الطائفة المسيحية. ذلك أن هذه «الكنيسة» تعود إلى جماعة تبشيرية تقوم بنشاطات إنسانية، وفدت إلى المدينة قبل نحو عامين ويعمل أعضاؤها، ومعظمهم من الأجانب، على نطاق ضيّق.

آمال خليل
صور | لم يكن الاهتداء إلى «كنيسة الحوش» أمراً سهلاً، ذلك أن كثيرين من أبناء المدينة لا يعرفون بوجودها. هم محقون، لا صليب ولا جرس هنا يرتفعان كالمنارة، فيهديان الزوّار من مسافات بعيدة، ولا مبنى قديم العهد تحرسه البيوت المتواضعة كما هي الحال في كنائس المدينة التي تتجمع في الحارة القديمة.

يقودنا البحث عند مدخل صور الجنوبي إلى الطبقة الثانية من مبنى تعطيه السوبر ماركت ومحال بيع اللوتو وتحويل الأموال وستديو التصوير، تصنيفاً مختلفاً لمكان يفترض أن يحتضن بيتاً للعبادة. تحت خيمة صغيرة، تختبئ لافتة كتب عليها «كنيسة صور المعمدانية»، الأمر الذي يؤكد تلقائياً أنها ليست تابعة لأي طائفة مسيحية في صور ومنطقتها. يقول لنا الجيران إنها تفتح أبوابها عند العصر، وعن طريق المصادفة، نحصل على رقم هاتف المسؤول عن الكنيسة: محمد يموت! قد يشعر البعض بالحيرة خلال اللقاء مع محمد. فالرجل الدائم الابتسام، هو أحد أبرز المبشّرين في الكنيسة. تحوّل من الإسلام إلى المسيحية منذ 30 عاماً كما يقول، قبل أن ينضم لاحقاً إلى هذه الجماعة المعمدانية. في الكنيسة، لا نجد مذبحاً أو تمثالاً للسيدة العذراء، أو مسيحاً مصلوباً أو مقاعد خشبية، إلخ. المظهر المسيحي الوحيد هو صليب صغير جداً مطبوع على المنبر، ولوحة صغيرة كتبت عليها عبارة تسبيح للربّ ومحتويات توحي بأنه مقرّ لجمعية وليس داراً للعبادة وفقاً للسائد.

في الكنيسة، قاعة مخصّصة للأطفال فيها لعب ودفاتر تلوين وقصص، يقول محمد إنها تمتلئ في أوقات محدّدة خلال الأسبوع، حين يأتي الأطفال من سن السادسة إلى السادسة عشرة من العمر. يلعبون ويتسلون ويستمعون إلى درس ديني مسيحي يعطيه المبشّرون الذين ينتمون إلى جنسيات مختلفة (اميركية، كورية، يابانية). أوقات أخرى مخصصة للشباب الذين يستفيدون من أنشطة تناسب أعمارهم ترتكز أساساً على التعاليم المسيحية.

إلى هذه الأنشطة الدورية، تقيم الكنيسة نشاطات خاصة، خصوصاً عندما تستقبل وفوداً من الخارج كما هو حاصل اليوم مع وجود وفد أميركي يجول في عدد من قرى قضاء صور ويقدّم خدمات طبية. وللمناسبة دعت الكنيسة إلى سهرة تبشيرية في مقرّها ليل الأربعاء الفائت وليل أمس. الحضور كان متنوعاً فعلاً. في إحدى الزوايا تجلس عاملة فيليبينية، يقابلها والدان حضرا مع أبنائهما الثلاثة. أما في المقدّمة، فتجلس فتيات محجبات إلى جانب فتيان يبدو أنهم من أقربائهن، يتفاعلون جميعاً مع الترانيم الدينية التي يؤديها أحد أعضاء الوفد الأميركي على الغيتار، بمرافقة عازفة كمان.

بعد الوصلة الانشادية، يعتلي بروك، المبشّر الاميركي، المنبر ليخبر الحاضرين بأنه «جاء من الولايات المتحدة بناءً على محبة يسوع التي حملته إلى هذا المكان». يقرأ أجزاء من الكتاب المقدس قبل أن يرفع يديه بالصلاة، متوجهاً إلى الحاضرين: «هل تحبّ يسوع وهل ستتبعه؟ هل ستدخل معه في خضم الصراع الدائر اليوم؟». أما محمد فيختتم بمناجاة الرب، داعياً إلى «الوقوف ضد العنف بالمحبة».

زينب وسوسن، شقيقتان تقيمان في الحوش وتترددان منذ نحو عام الى الكنيسة. تقول زينب (14 عاماً) إنها اهتدت إليها من «عمو سعيد»، الاسم الذي يُعرف به محمد. كانت مع عدد من رفيقاتها في محل عندما «تعرف إلينا ودعانا إلى المشاركة في الأنشطة ووزع علينا الهدايا». تعبّر كوثر (16 عاماً) عن فرحتها في هذا المكان: «نلعب ونتسلى ونتثقف ونتعرف إلى الأديان الأخرى» تقول الفتاة إنها لا تخاف على دينها الإسلامي وحجابها من التأثر بالتبشير الذي يمارَس من خلال الألعاب والانشطة والأغاني والمخيمات الصيفية «لأنها مقتنعة بدينها» ذلك رغم أن «هناك أطفالاً تأثروا وصاروا يصلّون مع المبشرين» كما تشير.

الفتيات، ومعهن علا وعباس وآخرون من أبناء المسلمين الذين يفوق عددهم عدد المسيحيين ضمن الزوار، يفاخرون بوجود كنيسة في منطقة ذات غالبية مسلمة. ترى سوسن أن «الانفتاح على الأديان الأخرى بالمحبة والتواصل، يندرج ضمن مواجهة الجو الطائفي والمذهبي الذي ننشأ فيه». فيما تؤكد كوثر «أننا كلنا إخوة يوحّدنا الدين ولا يفرّقنا».

خارج الكنيسة، تتبدّد أجواء أنشودة «لبنان المحبة» التي تحلّق في أرجائها. يقرّ محمد بأن بعض الأطفال «عاقبهم ذووهم لأنهم أتوا الى الكنيسة». الرسالة التبشيرية المسيحية لم ترق للكثيرين في المنطقة المسلمة. يشير إلى تعرّض المبشرين أنفسهم الى تضييق وملاحقة وعزل بسبب توزيع الأناجيل والملصقات الدينية. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل رُسمت حولهم شبهات من البعض حول حقيقة المهمة التي ينفذونها في الجنوب الحذر والمهدّد بالاختراقات بعد عدوان تموز. واللافت أن الكثير من أبناء الطوائف المسيحية لم يتحمّسوا للكنيسة الجديدة. فهي «تتبع طقوساً مختلفة ولا تعترف بالطقوس الأصيلة المتبعة في الكنائس، لا بل يرفضونها» يقول أحد الكهنة. إلا أن جوناثان، رئيس الكنيسة، يوضح بأن «مفهوم الكنيسة أنها بناسها وليست بقوانين محددة». وعليه، فإن كلّ مجموعة من 30 أو 40 شخصاً، تتجمّع حول تعاليم معينة تكوّن كنيسة. ولأن القانون اللبناني يوجب الانضواء تحت كنيسة معترف بها، قرّرت المجموعة أن تتبع لمجمع الكنائس المعمدانية الانجيلية في لبنان. علماً أنه في التطبيق، هناك فرعان فقط للكنيسة المعمدانية (من دون الانجيلية)، الأولى في منطقة الجمهور في بيروت والثانية في صور.

لكن ما الذي أوحى للمجموعة بأن تفتتح «فرعاً» في صور؟ يجيب الرئيس الأميركي الجنسية والذي يقيم مع أسرته في لبنان منذ أربع سنوات: الربّ والمحبة، مؤكداً أن الهدف «ليس سياسياً أو اقتصادياً أو للسيطرة على غرار الإرساليات التبشيرية القديمة التي ارتبطت بالفتوحات والاستعمار والحروب».

الاخبار