لندن: ثمّة جو من الإثارة والترقب يسود أروقة الفاتيكان وصفوف الكاثوليك، الذين يفوق عددهم المليار شخص، إزاء مناسبة تاريخية، تشدّ أيضًا أنظار بقية العالم على تعدد توجهاته الدينية والثقافية.

فيوم الأحد، توضع رفات بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس الثاني، الذي تولى البابوية من 1978 إلى وفاته في 2005، أمام عيان الجمهور في مستهل احتفال مهيب، يقوم فيه البابا الحالي بنيديكتوس السادس عشر بتطويب الراحل. وسينقله هذا التطويب خطوة واسعة نحو اعتباره قدّيسًا.

ويُرى تطويب يوحنا بولس في منظور يتعدى كونه تشريفًا لهذا البولندي الشعبي، إذ يُعتبر محاولة جريئة أيضًا لإنعاش هذه الكنيسة نفسها، بعد فترة يعتبرها المؤرخون إحدى الفترات الأكثر عُسراً في تاريخها.

استقطاب

على أن لقرار التطويب نفسه جانبه الآخر السلبي، الذي قد يكون مساويًا في حجمه للجانب الإيجابي الذي يرجوه الفاتيكان، كما تورد صحيفة «نيويورك تايمز» ومجلة «تايم» الأميركيتان. ويتمثل ذلك الجانب السلبي في انقسام الآراء الحاد حول أمرين:

الأمر الأول هو «السرعة»، التي بدأ بها البابا الحالي إجراءات تطويب سلفه. فبدلاً من الانتظار خمس سنوات على الأقل تبعًا للعرف والتقاليد الكاثوليكية، بدأ بنيديكتوس السادس عشر دحرجة الكرة بعد أسابيع قليلة فقط من وفاة يوحنا بولس.

الأمر الثاني، والأهم، هو أن القدر الأكبر من الفضائح الجنسية، التي كادت تزلزل الكنيسة الكاثوليكية من أساسها، حدثت عندما كان يوحنا بولس الثاني هو راعيها. ويقول المنتقدون إن هذا وحده سبب كاف لحرمانه من القديسية إلى الأبد. ويتضح مدى الغضب إزاء هذا الأمر في أن إحدى جماعات ضحايا الاعتداء الجنسي هددت السبت بتنظيم احتجاجات على نطاق العالم.

لكن المؤيدين يردون على التحفظ الأول بأن الظروف هي التي تحدد بدء إجراءات التطويب، ولها الأولوية بالتالي على العرف والتقاليد، طالما أن هذه الأخيرة ليست قانونًا إلهيًا أو وضعيًا.

ويمضون إلى القول إن التطويب إنما يضع الختم الرسمي فقط على أن بولس الثاني كان، أولاً، أحد أكثر البابوات شعبية في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، وثانيًا، أنه أدى دورًا كبيرًا في إسقاط الشيوعية، وثالثاً، أن عددًا هائلاً من الكاثوليك - خاصة في موطنه بولندا - يعتبرونه قديسًا سلفًا، بتطويب أو بدونه وبإنجازه معجزتين (لازمتين لإعلانه قديسًا) أو بدونهما. ويعيدون الى الأذهان، أخيرًا، أن مئات الآلاف هتفوا خلال قداس جنازته «القديسية الآن».

بعد سياسي

بينما المفترض أن يصبح الكاثوليكي مطوَّبا (وربما قديسًا في ما بعد) على موجة من الرغبة الشعبية، فالواقع أن هذا الأمر مصبوغ بلون سياسي، لا تخطئه العين. ذلك أن الكنيسة تعجّ بجماعات الضغط الدينية، التي تتمتع بمؤهلات نظائرها السياسية من حيث التنظيم والقدرة على تأمين الموارد المالية.

ربما كان من قبيل المفارقة أن البابا بنيديكتوس - عندما كان الكاردينال جوزيف زاتزينغر - انتقد في 1989 عمل جماعات الضغط قائلاً إن الفاتيكان يسارع الى تطويب شخصيات ليست أهلاً لهذا. ويذكر في هذا الصدد أن يوحنا بولس الثاني طوّب أكثر من 1300 شخص (مقابل 790 لبنيديكتوس) ورفع 482 آخرين الى مقام القديسين (مقابل 34 لبنيديكتوس).

شروط

من شروط التطويب أن يتفق أعضاء لجنة خاصة بالفاتيكان على أن الشخص المعني أنجز معجزة (تلزم معجزة ثانية لإعلانه قديسًا). في هذا الصدد أدلى أطباء وخبراء بشهادة، ورد فيها أن راهبة فرنسية شُفيت من مرض باركنسون (الشلل الرعاشي) بعدما صلّت، داعية يوحنا بولس لتطبيبها. واعتمدت هذه الشهادة قانونيًا قبل أن تقرر اللجنة أن البابا أنجز فعلاً هذه المعجزة.

ومما لا شك فيه هو أن مناسبة تطويب البابا السابق الآن تشكل إطارًا لصورة الفاتيكان في العام 2011. وهي صورة يختلط فيها الإيمان العميق مع البيروقراطية ومتاهاتها اللانهائية، والعنصر الشعبي العفوي مع السياسي الرسمي وغير الرسمي، والمنتمي الى العصور الوسطى مع المنتمي الى العصر الحديث.

... ولكن!

رغم أن تطويب يوحنا بولس الثاني معلم مهمّ على طريق الكنيسة الكاثوليكية، وربما سيصبح منبعًا إضافيًا لديناميكية مسيرتها، فهو أيضًا - من باب المفارقة - ضوء ساطع على أحد أبشع الفصول في تاريخها.

والمقصود بالطبع هو فضائحها الجنسية، التي يقع في قلبها الاستغلال الجنسي للأطفال على أيدي بعض قساوستها في السواد الأعظم من دول العالم، حيث تشكل الكاثوليكية ديانة رسمية.

ويذكر أن هذه الممارسات بدأت في أروقة الكنيسة الكاثوليكية منذ خمسينات القرن الماضي، وإن كان العام 1985 هو تاريخ أول قضية تجتذب الأضواء عالميًا في هذا الصدد. وفي هذه القضية، أقرّ القس غيلبرت غوته، من أبرشية لافاييت بولاية لويزيانا الأميركية، بالذنب في 11 تهمة تتعلق باستغلال الأطفال جنسيًا.

هذا إضافة الى مضامين الفضيحة المرتبطة بالشذوذ الجنسي، وما إن كان هذا نفسه ناتجًا طبيعيًا لمفهوم «نذر العزوبة» الكاثوليكي. ويذكر أن يوحنا بولس نفسه رفض في 1999 وجود أي علاقة بين استغلال الأطفال وهذا النذر. لكن المهم هنا هو أنه أقر ضمنيًا بالجرم نيابة عن كنيسته..

.. فهل يُطوّب رجل كهذا؟ البابا بنيديكتوس السادس عشر قال كلمته.. لكن قسمًا من أتباعه لا يمكن تجاهله يقول «لا» مدويّة. وهكذا يصبح السؤال هو: "هل يكفي هذا لشقّ إحدى أكبر المؤسسات الدينية في العالم اليوم؟".

ايلاف