أظهرت أعياد الميلاد مجدداً هول محنة العرب المسيحيين، والويل الذي ينتظر هذه المنطقة، إذا فقدت مكوناً دينياً أصيلاً فيها، وضاع منها بالتالي تراثها الحضاري في التعايش، أو «العيش المشترك» وفق القاموس اللبناني، وتقاليدها في التسامح الديني.

مازال مسيحيو العراق الأكثر، معاناة من هذه المحنة. قاسوا، مع غيرهم من العراقيين، آلام القهر في «دولة الخوف» على مدى عقود. ولكنهم صاروا إحدى أكثر فئات المجتمع العراقي تعرضاً للعنف الدموي في ظل «اللادولة»، منذ أن اشتدت الاضطرابات في العام 2004. فهم، باعتبارهم أقلية موزعة على مذاهب شتى، فئة ضعيفة. وما أتعس الفئات الضعيفة حين لا تجد دولة تحفظ النظام العام، ويتحول المجتمع إلى ما يشبه الغابة. وما أشد تعاسة أقلية دينية ضعيفة حين تصير مستهدفة من قوى متطرفة ومتعصبة لا فرق عندها بين البشر والخراف.

لكن محنة العراقيين المسيحيين، لم تقف عند هذا الحد. فقد كشفت أعياد الميلاد بعداً جديداً لها عندما ألغت كنائس بغداد ومدن عراقية أخرى ذات غالبية شيعية الاحتفالات، لأنها تزامنت مع مناسبة عاشوراء. وعلى الرغم من أنهم هم الذين بادروا بذلك تحت شعار «التضامن» مع الشيعة، فقد كان تضامنهم هذا اضطرارياً نتيجة الخوف من ردود فعل تفاقم محنتهم إذا احتفلوا. وهذا دليل جديد على أن ما يحدث في العراق الآن، هو أبعد ما يكون عما تطلع إليه من استبشروا بإسقاط أحد أكثر نظم الحكم شراسة وعدوانية في القرن العشرين.

ولم يكن المسيحيون الذين أتيح لهم الاحتفال بأعياد الميلاد في بعض المناطق في وضع أفضل بكثير. كان الحزن مقيما في كنائسهم، كما الخوف في قلوبهم. فلقد تواصل مسلسل الاغتيالات التي يتعرضون لها بمعدلات أسرع في الأسابيع الثلاثة الأخيرة في العام المنصرم، وخصوصاً في الموصل، حيث تعرضت ثلاث كنائس لموجة من التفجيرات. وقد خلفت الاعتداءات خمسة قتلى و45 جريحا خلال تلك الأسابيع الثلاثة.

ولم يكن حزن الفلسطينيين المسيحيين أقل، وهم الذين فُرض عليهم الاحتفال بأعياد الميلاد تحت حصار مؤلم وفي ظل خوف عميق. وكان فيكتور بطارسة، رئيس بلدية بيت لحم، التي وُلد فيها السيد المسيح، معبراً بدقة عن هذه الحال، عندما قال إن المدينة التي يفترض أن تكون رمزاً للسلام والمحبة، مازالت تنتظر شيئاً من السلام. فقد أمعن الاحتلال في انتهاك قدسية الأرض المقدسة من بيت لحم إلى القدس. وجاءت أعياد الميلاد في الوقت الذي بلغ هذا الانتهاك إحدى أعلى ذراه، الأمر الذي دفع بطريرك اللاتين فؤاد طوال للتنبيه إلى أنه «لا قدسية لأرض لم يتقدس الإنسان فيها، ويجد عليها الحرية والعدل والحب والسلام والأمن». وكان كلامه هذا في كنيسة القديسة كاترين المجاورة لكنيسة المهد، حيث خيم الحزن، واشتد الشعور بالألم لتزامن أعياد الميلاد مع إطلاق موجة استيطانية جديدة في القدس المحتلة التي فصلها الجدار العازل تماما عن امتدادها الطبيعي في بيت لحم.

وحتى اللبنانيين المسيحيين، الذين كانوا قد تنفسوا الصعداء عقب الانتخابات النيابية التي انتهت بسلام، وأملوا خيراً بعد تشكيل الحكومة، لم تمر عليهم الأعياد في سلام كامل. فقد ذكَّرهم كلام السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله في ذكرى عاشوراء بأن العيش المشترك مازال بعيداً عندما عاود اتهام من يخشون سلاحه بأنهم أتباع لأميركا وإسرائيل، وأصحاب مشاريع مشبوهة. وخصَّ المسيحيين– أو فريقا كبيراً منهم– بالذكر في هذا المقام مشككاً في تاريخهم ودورهم.

ولا تقتصر محنة العرب المسيحيين على هذه الحالات الثلاث الأكثر فداحة. فمعاناتهم موزعة عليهم أينما وُجدوا في بلاد العرب، ولكن بدرجات مختلفة وأشكال متباينة. قليلهم هم الذين يمكن القول إنهم أفضل حالاً. أما كثيرهم فهم في أوضاع أقل سوءاً.

غير أن الخطر الأكبر ليس عليهم فقط، ولكن على المنطقة برمتها، إنما يتركز في العراق وفلسطين ولبنان، حيث هاجر، أو هُجّر عدد كبير منهم. فقد العراق خلال أربع أو خمس سنوات، معظم مسيحييه، الذين عاشوا فيه وعاش فيهم لنحو قرنين من الزمن. كان في العراق حوالي مليون مسيحي قبل حرب العام 2003. ويستحيل الوصول الآن إلى إحصاء دقيق لمن بقي منهم. ولكن المؤشرات كلها تفيد أن نصفهم، على الأقل، لم يعودوا اليوم في العراق، فيما لم تتوقف هجرتهم بعد.

وفي فلسطين، كان المسيحيون يمثلون ما يقرب من 20 في المئة من سكان الضفة وغزة قبل احتلالها في العام 1967. ولكن هذه النسبة أخذت في الانحسار إلى أن أصبحت أقل من 5 في المئة الآن. وفقدت مدن معروفة بطابعها المسيحي تاريخيا هذا الطابع مثل بيت ساحور، وبيت جالا، بل بيت لحم أيضاً، حيث يُخشى أن ينقرضوا في بلد المسيح. وفيما هرب بعضهم من ظلم الاحتلال وطغيانه وتدهور الأوضاع الاقتصادية من جراء حصاره، فقد هاجر بعض آخر نتيجة الشعور بالاغتراب في ظل تصاعد نفوذ جماعات أصولية ترفع شعارات دينية في الشارع فتقسمه وتبثّ الخوف في قلوبهم، كما في أفئدة كل من لا يقبل نمط الحياة التي تريد فرضه. ولا يقتصر ذلك على قطاع غزة، حيث لم يبق سوى أقل من ثلاثة آلاف مسيحي، وإنما يمتد إلى الضفة الغربية.

أما المسيحيون اللبنانيون، فقد ازدادت هجرتهم خلال الحرب الأهلية الطويلة. وكانت هذه الهجرة كثيفة إلى حد أنها غيرت التركيبة السكانية، في الوقت الذي ازداد عدد الشيعة بشكل مطرد، مقترنا بصعود «الشيعية السياسية».

فكان المسيحيون هم الغالبية بين اللبنانيين، الذين هاجروا بسبب الحرب. وعلى الرغم من أن هجرة المسيحيين اللبنانيين انحسرت تدريجيا، منذ انتهاء الحرب الأهلية، إلا أنهم فقدوا موقعا مميزاً، كان هو أكثر ما تميز به لبنان في محيطه العربي. كان الموارنة خصوصا،ً فئة قوية. ولذلك اقتسموا مع السنَّة القسم الأكبر من السلطة في نظام أقيم على الطائفية السياسية.

وكان مفترضا أن يؤدي تقلص السيطرة السورية إلى إنعاش دور المسيحيين في لبنان مجدداً. غير أن التغيير الذي حدث في ميزان القوى الداخلي، كما في التركيبة السكانية، وضع سقفاً لدورهم. وعلى الرغم من أن انقسامهم وتوزعهم على معسكري 14 و8 آذار، ليس مصدر ضعف في حد ذاته، فقد اقترن ذلك بتكريس القطيعة، واحتدام الصراع بينهم.

فقد شنّ بعضهم حرب إلغاء ضد البعض الآخر، وتبادل قادة «القوات اللبنانية» و«تيار التغيير والإصلاح» الاتهامات على نحو لا سابق له.

وفيما يحدث هذا كله، تعيد ملابسات أعياد الميلاد الأخيرة تذكير من تنفعه الذكرى بأن محنة المسيحيين العرب، لا تقتصر عليهم، لأنها تضعف الأمة كلها. فالتعايش والتسامح الديني شرطان لا غنى عنهما لبناء التقدم. وتفريغ بلاد العرب من مسيحييها يرسم صورة بائسة لها على المستوى الدولي. ولذلك ليتنا نفهم، قبل فوات الأوان، أن مستقبل المسيحيين جزء لا يتجزأ من مستقبل العالم العربي.

أوان الكويتية