شهدت الكثير من قرانا ومدننا العربية في الآونة الأخيرة ظواهر عنف ليست بقليلة (قسم منها مستمر لغاية الآن)، بل ومقلقة للغاية، وتكاد تنبئ بحرب اهلية التي إذا اندلعت، لا سمح الرب، فستكون قاسية ومدمرة.

هذا الوضع المؤلم يبرز بالذات في فترة انتخابات السلطات المحلية، وظاهرة العنف تتصاعد الدورة تلو الاخرى، والاحداث التي يمر بها مجتمعنا العربي في أيامنا تؤكد ذلك، حتى ان "إبن البلد" يتهجم على ابن بلده دون رحمة، بل ومستعد لقتله لأسباب تافهة.

السؤال ماذا نفعل نحن الذين عرفنا الرب مخلصا لحياتنا حيال هذه الاوضاع ؟! ما هو موقفنا إزاء وضع فيه نرى العنف يستشري في بلدنا خاصة وبلادنا عامة، والسؤال يزيد أهمية بينما نعبر ميلادا آخر وسنة جديدة على الأبواب!

هذا السؤال يثيره داود في المزمور الحادي عشر، ذاك الملك الذي خاض الكثير من الحروب التي انتصر في اغلبيتها الساحقة، وبالتالي فهو "مختص"، ان جاز التعبير، وخبير في الخطط والمناهج التي ينبغي ان نتتبعها عند وجودنا في وضعية حرب وظروف سيئة، وفي ايامنا نتحدث عن الخطط الروحية ليس بدون تماشيها مع الواقع الذي نعيشه.

في المزمور الحادي عشر يصور لنا داود الملك حالة من الحرب بحيث يمد الأشرار القوس ويفوقوا السهم ليرموا في الدجى مستقيمي القلوب، عندها يثير الملك داود سؤالا وجيها في مكانه: إذا انقلبت الأعمدة فالصديق ماذا يفعل؟

للأسف، شهد العهد القديم الكثير الكثير من الحروبات التي هي "ظل الأمور العتيدة"، مشيرة إلى الحرب الروحية التي هي "ليست مع دم ولحم"، إنما مع "أجناد الشر الروحية في السماويات" (أفسس 6: 12)، فإبليس يحرك قوى الشر، مستخدما البشر، خليقة الله، كي يحارب بهم الناس ليقضي عليهم كونهم خليقة الله و"يكسبهم" في ملكوته وسلطانه.

هذه "الحرب" لا تقتصر على البشر فقط، بل امتد سيفها عند ميلاد رب المجد يسوع المسيح، حيث قتل هيرودس أطفالا أبرياء كثيرين، في هذه الفترة الجميلة والمجيدة بالذات، وجاز هذا السيف على طول حياة الرب على الأرض، والتي خُتمت بقمة العنف بموته على الصليب، ليس بلا قيامته وغلبته كونه الإله المتجسد.

هذا الكلام يتأكد لنا من نبوة سمعان الشيخ عن الطفل يسوع، إذ قال لمريم أمه: "وانت ايضا يجوز في نفسك سيف لتعلن افكار من قلوب كثيرة" (لوقا 2: 35)، فالسيف الذي مر في نفس مريم هو كل كلام بطال قيل عن يسوع، بالذات من رجال الدين اليهود، الذين اتهموه بـ "ابن الزنى"، والذين قالوا إن "به شيطان"، كما واتُّهم بالتجديف وفي النهاية حُسب مع المجرمين واللصوص، كل ذلك بسبب الأفكار السلبية التي أُعلنت من قلوب كثيرة، والتي خرجت من إطار الأفكار والكلام البطال والتهم الظالمة إلى حيز التنفيذ محكوما عليه بالموت! ما أقسى هذا السيف وما أصعب هذا العقاب.

بالرغم من أن المزمور المذكور يحتوي على سبعة أعداد فقط، لكنه غني بالدروس التي يمكن أن تسكب لنا ضوءا على القواعد العامة والأساسات التي حري بنا أن ندركها ونحتذي حذوها في مثل هذه الاحوال. الجدير بالذكر أن هذه القواعد والاساسات يمكن ان تلائم الحرب الحرفية والحرب الروحية.

(1) حياة الصلاة:
بداية يمكن أن نلاحظ بوضوح أن الحرب ظالمة، فالشرير يريد أن يقتل المستقيم والتقي، فاعلا ذلك "في الدجى"، اي الظلام، وهذا رمز كيف أن الشيطان يريد أن يؤذي خليقة الله وصنع يديه، بالذات أتباع المسيح الذين اغتسلوا بدمه الكريم، لماذا؟ لأن أتباع المسيح "يشكلون خطرا على مملكته". هذا يؤكد لنا أيضا أن ابليس وراء كل حرب، وبما انه هو الظالم فكل ما يخرج منه ظلم، من هنا فمن الواضح أن الحرب يحركها الشيطان وملائكته، وهو وراء كل نزاع وخصام.

إن الله "يكره" الظلم، حتى إنه مكتوب ان الظالمين لا يرثون ملكوت الله (1 كورنثوس 6: 9)، وهذا يشمل كل الدوائر التي نعيشها، إن كان على صعيد العائلة أو المجتمع أو العمل أو الدولة. بما أنه أدركنا أن الحرب روحية "والمحرك" لها ومن يقف وراءها هو إبليس وجنوده، لذلك حري بنا، أولا وآخرا، أن نصلي ضد أي حرب تحدث حولنا في كل الدوائر التي نعيشها، لأنها من صنع الشيطان الذي يريد أن "يسرق ويذبح ويُهلك" خليقة الله، أما يسوع فقد أتى ليكون لنا حياة وليكون لنا أفضل (يوحنا 10: 10).

من هنا، وبما أنه لا يمكننا أن نرى الشيطان، فمحاربته هي من خلال الصلاة ضد أجناد الشر الروحية في السمويات، "اذ اسلحة محاربتنا ليست جسدية بل قادرة بالله على هدم حصون 5 هادمين ظنونا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله ومستأسرين كل فكر الى طاعة المسيح 6 ومستعدين لان ننتقم على كل عصيان متى كملت طاعتكم" (2 كورنثوس 10: 4-6).

من الملاحظ أن حربنا متمركزة في مجال الفكر، فعلينا هدم الحصون الفكرية التي ترتفع ضد معرفة الله، والتي هي بمثابة "أسرى الحرب" لنأخذهم إلى طاعة المسيح، ففكر الشر – الشيطان، سوف يُنتج شرا على أشكاله وأنواعه، منها الخصام والحرب والقتل والدمار، وفكر الخير – المسيح، سوف يأتي بالخير والبركة والسلام والأمان.

لذا فمن المهم بمكان محاربة حصون الفكر السلبية والظالمة والمخطوءة بالصلاة لهدمها واستئسار كل فكر لطاعة المسيح، أي دحض مثل هذه الأفكار كل في مكانه ومن "منبره"، بدءا بالعائلة وتربية الأولاد ثم الكنيسة ثم مكان العمل ثم الجيران والمجتمع حولنا.

(2) الصمود وعدم الهروب:
داود يفتتح المزمور بأهم خطوة يجب أن نتخذها، وكأنه يضع عنوانا للمزمور، وهي الصمود وعدم الهروب والوقوف بشجاعة كصرح منيع أمام كل حرب نواجهها، فهو يسأل مستهجنا من هؤلاء الذين يطلبون منه الهروب، حتى وإن كانت هناك تهديدات من سهام الاشرار، فهو يطلب منا الا نهرب ولا نخاف.

نقرأ في سفر نحميا كيف احتال عليه أحد الأنبياء وطلب منه الاختباء في بيت الرب لأنهم مزمعون أن يقتلوه، وكان رد فعل نحميا انه قال: "أرجل مثلي يهرب؟ ومن مثلي يدخل الهيكل فيحيا. لا أدخل"، وكان عندما تحقق من الأمر وإذا هي مؤامرة من اعداء أولاد الرب عليه (نحميا 6: 10 - 12). نحميا، في عدم هروبه، لم يتكل على ذراعه او ذراع بشر، بل على الله الذي نجاه من مؤامرات ومكائد كثيرة واجهته في طريقه لأورشليم وفي مراحل بناء السور المنهدم.

وربما أكبر مثال لنا في مثل هذا الموقف هو الرب يسوع نفسه، إذ وقف صرحا منيعا ضد كل التحديات التي واجهته، وأعظمها الصليب والموت، حتى إنه لم يحاول الدفاع عن نفسه في محاكمة بيلاطس، بل سار طوعا للصليب بخطى ثابتة وقوية، "اذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارا، ظافرا بهم فيه" (كولوسي 2: 15).

(3) إدركنا لعدالة الله:
حقيقة أخرى يؤكدها صاحب المزمور ان الرب جالس على كرسي عرشه في السماء فوق الجميع، دلالة على كونه القاضي العادل الجالس على كرسي القضاء، وكونه فوق الجميع فهو القوي الذي لا يهزمه أحد، وهو يمتحن الانسان ليرى هل يتكل عليه ام يستسلم للخوف فيهرب او يتكل على ذراع بشر. يجب أن نثق أن عيني الرب على أولاده كل الوقت، واجفانه تمتحن الإنسان، فقد نشعر ان أجفان الرب مغلقة ولا يرى ما يحدث لنا ومن حولنا، وكأنه تركنا، ولكن داود يحثنا ويطمئننا ان عيني الرب ترى، وهو يمتحن الصديق كي يقربنا اليه ويجعلنا جنودا صالحين وامناء في الحرب، بالضبط كما هو الحال في الامتحانات المدرسية أو الجامعية التي عندما ننجح فيها ترقينا إلى المراحل المتقدمة.

هذه حقيقة في غاية من الأهمية، والتي يتحتم علينا التأكد منها، وذلك لرد كل الأصوات التي تحاول أن تناهض بها أو تشكك في أمرها، تلك الأصوات التي علت قديما، قبل مجيء المسيح، فيقول النبي ملاخي عن هؤلاء: "لقد أتعبتم الرب بكلامكم. وقلتم بم أتعبناه. بقولكم كل من يفعل الشر فهو صالح في عيني الرب وهو يسر بهم. أو أين إله العدل" (ملاخي 2: 17)، أصوات مشابهة علت كذلك في العهد الجديد، والتي حذرنا منهم بطرس الرسول قائلا: "3 عالمين هذا أولا: انه سيأتي في آخر الايام قوم مستهزئون، سالكين بحسب شهوات انفسهم، 4 وقائلين: «أين هو موعد مجيئه؟ لأنه من حين رقد الاباء كل شيء باقٍ هكذا من بدء الخليقة»" (2 بطرس 3: 4)، مشككين بذلك بصدق الله وأمانته وعدله.

نسمع كثيرا في هذه الأيام أصواتا مشابهة، وما علينا إلا أن نقف لنؤيد كلمة الله الصادقة والأمينة والعادلة أولا بحياتنا وكوننا قدوة تعكس كلمة الله وصورة يسوع لمن حولنا، كذا بكلامنا المملح المستمد من نبع كلمة الله الحية. قد لا "نربح" المعركة مع هؤلاء في الأمد القريب، ولكن سوف نحصد الثمر إن آجلا أم عاجلا، إذا صبرنا.

يخبرنا الكتاب أنه في آخر الأيام تبرد محبة الكثيرين "لكثرة الإثم" (متى 24: 12)، ومن الواضح أن الحرب تكمن في طياتها شرورا كثيرة وإثم، وعلاج ذلك هو "الصبر" أو الصمود، الممزوج بإضرام محبة الله في قلوبنا وبالتالي محبتنا للقريب وابن البلد، كيف لا وعلاج الخوف والفشل هو المحبة، لأن "لا خوف في المحبة، بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج لان الخوف له عذاب. واما من خاف فلم يتكمل في المحبة." (1 يوحنا 4: 18).

(4) عدم التوجه إلى "مصر":
نقرأ في العهد القديم كيف تعامل الله مع شعبه عندما كان يريد التوجه إلى مصر أو أشور او بابل أو أي شعب آخر كي يساعد شعب الله آنذاك على "أعدائهم"، إن كان بهدف الدفاع عن الشعب او الهروب إلى مصر ذاتها، فقد اوصاهم، عن طريق انبيائه، ألا يطلبوا مساعدة الغرباء وألا يهربوا إلى خارج حدود بلادهم، بل أن يتكلوا على الرب القادر أن ينجيهم من يد الظالم، ولكن، للأسف، في أغلب الأحيان لم يسمع الشعب لصوت الرب، وكانت العواقب صعبة (مثال: سفر إرميا الإصحاحات 27 و- 40).

إذا "ترجمنا" ذلك لأيامنا فمن الجدير بنا عدم محاولة إيجاد حلول في إطارات أخرى، من صنع الحكمة البشرية التي لا تأخذ المبادئ الكتابية بعين الاعتبار، على الرغم من احتمال وجود أوجه شبه كثيرة مع الآيات الكتابية، ولكن كل واحد من هذه الاعتبارات يصب في أماكن مختلفة، والنتيجة تختلف بين هذا وذاك.

(5) عاقبة الأشرار:
حقيقة أخرى يؤكدها داود، ان الرب يقف ضد فاعلي الشر "ليقطع من الارض ذكرهم" (مزمور 34: 16)، والرب "بعيد عن الاشرار ولكنه يسمع صلاة الصديقين" (الملك سليمان في سفر الأمثال 15: 29)، ويؤكد أن الرب "يبغض" الشرير ومحب الظلم، أي أن الرب ضد فاعلي الشر وكذلك ضد كل من "يحب الظلم"، اي كل من يقف مع الظلم ومن يؤيد الظالم بشتى الطرق، فمجرد السكوت عن الظلم وتأييد الظالم هو كفعل الشر ذاته.

ينبئ داود بنهاية الاشرار والظالمين، وكأنهم يشربون الفخاخ والنار والكبريت والسموم، وهذا نصيبهم وهذه نهايتهم، والدليل على حدوث ذلك هو عدالة الله، فالله عادل ويحب العدل، وبالتالي فالمستقيم يبصر وجه الله، بالضبط كأنقياء القلب الذين يعاينون الله، فالمستقيم قلبه نقي، وهذا القلب لا يمكن أن يتنقى بدون المسيح.

هذه الحقيقة هامة ليس لأننا "نتمنى" تلك النهاية العسيرة للأشرار، بل لنعلم ونتأكد أن الله عادل، وهو يتمهل على هؤلاء علهم يتوبون ويرجعون عن طرقهم الردية، حقيقة ليكون لدينا اليقين أن الله يرى وقلبه يتألم لأجل كل خاطئ لمّا يعرف الحق بعد، وبالتالي يعيش في قيود الخطية والشر، على أشكاله وأنواعه. الله يتأنى على الخاطئ والشرير ليس لأنه يسر بالشر ولا يراه، بل يعطي الوقت والفرص للتوبة لهؤلاء، كما يقول الرسول بطرس: "لا يتباطأ الرب عن وعده كما يحسب قوم التباطؤ، لكنه يتأنى علينا، وهو لا يشاء ان يهلك اناس، بل ان يقبل الجميع الى التوبة." (2 بطرس 3: 9)، فكل عمل الفداء متمركز في محور عدالة الله من جهة ورحمته من جهة أخرى، كيف لا و"العدل والرحمة التقيا، البر والسلام تلاثما" (مزمور 85: 10).

ليس صدفة أننا ولدنا هنا، في هذه البلاد بالذات، المليئة بالصراعات التاريخية والدينية والقومية واللغوية والطائفية، فلا نقلق أو نخاف، بل لنصمد في مكاننا، لنصل متقوين في الرب ثابتين في كلمته، لنكن قدوة وذي شهادة حية للمسيح، عالمين ومتيقنين أن الرب عادل، وهو فوق الجميع، يرى ويلاحظ ويجازي بحسب عدالته ورحمته ومحبته.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا