كم هو سهل أن نرخي الحبال لأنفسنا لنتبع أهواءنا ورغباتنا وملذات جسدنا الفاني... فللوهلة الأولى يشعر المرء بالانبهار والنشوة ‏والتلذذ لما يعرضه لنا هذا العالم من أطايب وملذات ومشهّيات... فيبدو لنا كالعسل حلو المذاق وشهيٌّ للحنك! ‏

من البديهي أن ننخدع من شهواتنا، فالجسد يرغب ضد الروح... روح الله الساكن فينا. تجدنا معرضين دومًا لننجرف خلف ‏أهواء هذا العالم ومتعته.. فالعالم كقطعة الشوكولاطة الفاسدة، مغلفٌ من الخارج بغلاف زاهٍ جميل وتفوح منه الروائح الطيبة ‏والذكية والمغرية، الأمر الذي يدفعنا بشراهة ولا مبالاة لنفتحها ونتذوقها بنهم وتلذذ، دون مقاومة... نضعها في فمنا بلهفة، ‏مستسلمين لغريزتنا وشهوتنا، ثم ما نلبث أن نبصقها بنفور بعد أن ينساب مذاقها المتعفن الكريه في لساننا وجوفنا... وذاكرتنا!

العالم والشوكولاتة

هكذا هو العالم بالضبط، جميلٌ ومغري من الخارج، كريه ومتعفن من الداخل... وكلما سمحنا لأنفسنا بالتغلغل فيه نبدأ بالغوص ‏داخل بؤرة فساد نتنة، فتعبق في أجسادنا رائحة الموت، وشيئًا فشيء يفوح هذا الفساد من أعماقنا التي تزداد فراغًا وظلمة! ليس ‏من السهل مقاومة هذا الجسد الفاني.. إذ نحتاج أن نجاهد..كل يوم..! ‏

هي بالفعل مجاهدة لأن الكتاب أعلنها بوضوح في غلاطية 5: 16 وَإِنَّمَا أَقُولُ: اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ. 17 لأَنَّ ‏الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ. ‏

نركض لاهثين وراء العالم باحثين عن عسله ليسد جوعنا الدائم ، فنجد أنه كلما أكلنا من عسله أكثر كلما ازداد جوعنا وكبُر الفراغ في ‏داخلنا والبرودة في أرواحنا.. فليس من أحد يملأ هذا الفراغ سوى الله! نتناسى حقيقة أننا "من التراب وإلى التراب" حيث الدود ‏ينتظر هذا الجسد لينهشه متلذذًا به... ولا يبقى منا سوى الروح.. فهي خالدة وأبدية! لذا يستوجب علينا اختيار أبديتنا بحذر ‏وحرص ومجاهدة... "ومن يجاهد يضبط نفسه في كل شيء"!‏

نحن معرضون في كل يوم للسقوط والفشل، فنحن في معركة يومية ومجاهدة دائمة بين جسدنا وروحنا..الله يتفهم هذا الأمر ‏ويدرك هذه الحقيقة، وهو صبور وطيب ورحيم وينتظرنا بمحبة لننهض.. فقوّة الإنسان تكمن في قدرته على النهوض بعد ‏السقطة.. فالأمر يحتاج للتصميم والمجاهدة والاستسلام والتسليم لله بالكامل.. مع توبة صادقة حقيقية من القلب.. وهو قد وعد ‏بالبركة للذين يقاومون الجسد ويحيون بحسب الروح. هو أبونا الحنّان الذي عندما يُخطئ إبنه يؤدبه بمحبة وحنو ليجعل منه ‏رجل إيمان وجبّار بأس، كما قال في 2 تيموثاوس 2: "25 مُؤَدِّبًا بِالْوَدَاعَةِ الْمُقَاوِمِينَ، عَسَى أَنْ يُعْطِيَهُمُ اللهُ تَوْبَةً لِمَعْرِفَةِ ‏الْحَقِّ، 26 فَيَسْتَفِيقُوا مِنْ فَخِّ إِبْلِيسَ إِذْ قَدِ اقْتَنَصَهُمْ لإِرَادَتِهِ."‏

قد تأتي عليك فترة تتعب من هذه المعركة اليومية، فتقرر أن تأخذ هدنة... هدنة لنفسك ولروحك.. فتقرر أن تغض النظر لفترة ‏من الوقت عن عدّة أمور ومبادئ وأخلاقيات أساسية في حياتك، وتدخل في سبات. منخدعًا من فكرة أن الغلط أجمل وأحلى ‏وأشهى وأسهل.. لكنك مدركًا رغم سباتك كل هذه الفترة بأن الله غير راضٍ عنك، وأنت لست في حالة سلام مع نفسك.. فأنت ‏تكذب على نفسك، وتتوهم لتعطي لنفسك التصريح للاستمرار بالغلط.. لتستمر في حالة السبات والاستمتاع المزيف هاربًا من ‏تأنيب ضميرك وروحك.. ‏

ولكن يأتي السؤال: "ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟" هناك اختيارات نختارها بالوقت الخطا، وخطوات ‏نخطوها في الظروف الخطأ.. وشيئًا فشيء نجد أن سباتنا شائك ومتعب وأصبح عبئًا وتعاسة.. وليس من مكان نهرب إليه بعيدًا ‏عن عينيّ الرب الفاحصتان، كما يقول مزمور 139: ‏‎“‎‏5 من خلف ومن قدام حاصرتني، وجعلت علي يدك. 6 عجيبة هذه ‏المعرفة، فوقي ارتفعت، لا أستطيعها. 7 أين أذهب من روحك؟ ومن وجهك أين أهرب؟‎”‎‏ لا يسعنا أن نستمر في حالة السبات ‏هذه، ولا يسعنا أن نستسلم للجسد لأنه منفصل عن الله..‏

وبعد هذا الهروب وهذه المعاندة الصبيانية... تماما كالطفل عندما يتشبث بدميته رافضًا التخلي عنها.. تستوعب أنك محتاجٌ جدًا ‏لميناء سلام مع نفسك ومع الله قبل أي شيء آخر.. فتقرّر أن تنتزع من أحشائك كل ما هو غالي.. لأن الغالي يغدو رخيصًا من ‏أجل رضى الله عنك! وكم هو صعب هذا الإحساس عندما تنتزع شيء صار جزء منك، تفشى فيك وتغلغل.. فأصبحت تتنفسه ‏وتعشقه لكنك مضطر لنزع قلبك معه... لأنك تعرف بأنه لا يُرضي الله.. هما كفتا ميزان تتأرجحان وعليك الإختيار..!‏

إن انتزاع الجنين من الرحم هو من أصعب التجارب التي تخوضها المرأة، ناهيك عن آلام المخاض السابقة للانتزاع.. ولكن لا ‏توجد إمكانية أخرى، فيجب على الجنين بمرحلة معينة أن يخرج للخارج، وإلا سيتشكل خطرعليه وعلى أمه! ليس من الملائم ‏أن يبقى في هذا المكان لفترة أطول.. موجع ومؤلم خروجه لكنه إنتقال لمكان أفضل وهو الصواب! ‏

إن كل عادة سيئة في حياتنا تُبعدنا وتفصلنا عن الرب.. نختار أن نتشبث بها، فتتغلغل فينا لتصبح جزء منا، وتكبر وتنمو وتأخذ ‏حيِّزًا كبيرًا من حياتنا.. هي في المكان والتوقيت والظرف الخطأ.. وهنا تأتي الحاجة والضرورة لتُنتزع من هذا المكان وإلاَّ ‏فإنها ستؤذينا بالأخير..!‏

بعد أن تنتزعه ورغم الألم والنزيف... ستشعر بسلام لأنك على يقين بأنه الصواب.. ولكن بالمقابل ستجد نفسك في دوامة ‏صراع جديدة.. كموج البحر... تارةً الموج هادئ ورقيق ومنساب برقي ويقين وسلام... وتارةً أخرى هائج متخبِّط متألم ‏وموجوع... تشتهي أن تعود لتلك العادات لأنك تفتقدها بشدة بعد أن كانت جزء منك، جزء اعتدت أن تتنفسه وتحيا به... جزء ‏غالي...! هذا الهيجان يحدث بالأخص في الأوقات التي تجد نفسك فيها وحيدًا، مُجالسًا ذاتك بهدوء وسكينة.. هناك ستجد إبليس ‏يلبد في الزاوية منتظرا هذه السكينة...فيأتي إليك بخطى خبيثة ومدروسة وهادئة، ليمد يده ويُداعب هذا الجرح الذي لم يلتئم بعد.. ‏فتصرخ متألمًا متخبِّطًا ومتأوِّهًا.. ويتركك إبليس صريعًا متقوقعًا.. وتعود للحنين وللنزيف من هذا المكان الذي نزعت منه كل ‏شيء.. تعود لتنظر للوراء بعينين يملأها الاشتياق والدمع.. عقلك مدركًا للصواب ولكن قلبك... يحنّ! كالمدمن الذي يتأهل ‏للفطام... يحتاج الأمر لبعض الوقت، مع الإصرار وعدم الاستسلام.. برغم الألم والحنين والاشتياق..!‏

صعب أن ننتزع من داخلنا عادات أو علاقات أو أمور جاءت بالتوقيت الخطأ من حياتنا.. شعور مؤلم...ولكن الكتاب ينبهنا: "أما ‏الشهوات الشبابية فاهرب منها.." لا يوجد حل أخر.. عندما تجد نفسك في هذا المكان، وحيدًا، متألِّمًا وتتصارع.. أهرب... ‏أركض نحو الرب..إلتجِّئ إليه لأن إبليس كأسد زائر يجول يلتمس من يبتلعه... إحتمي بالرب..تستر به لأن "الساكن في ستر ‏العالي في ظل القدير يبيت" لا تسمح له أن يشكك، وافعل الصواب!‏

لقد حررنا الله من عتق وعبودية الجسد بموته وقيامته، وهو الوحيد القادر أن يغلب أهواء الجسد، وقد فعل، وبقيامته أعطانا هذه القوة ‏لنعيش ونحيا بحسب الروح، مقاومين ومجاهدين... متذكرين دومًا أنه "لا بالقوة ولا بالقدرة بل بروحي قال رب الجنود"! فنحن بدون ‏نعمة الرب ويمينه لا نستطيع أن نكمل المسير ونكمل الجهاد الحسن بالتغلب على اهوائنا والعيش بقداسه.. وقد اعطانا الله كامل الحرية ‏في عبادته واتباعه والحياة معه وله.. وعدنا بحياة فيّاضة مملوءة بنعمه وبركاته.. أساسها الإتكال عليه والثقة الكاملة به... لا على ‏أنفسنا وذواتنا!

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا