احتفل المعمدانيون في بلادنا هذه السنة بالذكرى المئوية لتأسيسهم والأمر يتطلب الوقوف على أوضاع الكنيسة المعمدانية في بلادنا اليوم .
لقد بارك الرب العمل خلال السنين ومن كنيسة واحدة في الناصرة وعدّة مراكز في انحاء الجليل أصبحت الكنيسة اليوم تحوي مئات الأعضاء في 16 كنيسة. ان الزيادة في عدد الأعضاء تفوق بكثير الازدياد الطبيعي في المجتمع العربي ككل وفي المجتمع العربي المسيحي بشكل خاص.
لن أخوض في كل الأسئلة المتعلقة بما آلت اليه ظروف الكنيسة المعمدانية والأمر يحتاج لبحث عميق ومستفيض لكنني سآتي فيما يلي بملاحظاتي حول مجالات اتخذ فيها المعمدانيون في بلادنا نهج جديد أو مجالات اتخذت فيها خدمة المعمدانيين في بلادنا منحى مثيراً للانتباه.
نظراً لتأثيرات مختلفة شكلت الكنيسة المعمدانية في البلاد هويتها الخاصة. مع ذلك نشدد ان الكنائس المعمدانية في بلادنا ليست صنفاً واحداً وسأحاول عدم الوقوع في مطب التعميم في سبيل تبسيط فهم التيار العام.

1- تنظيم رابطة الكنائس المعمدانية: أحد المبادئ الرئيسية عند المعمدانيين على مر الأربعمائة عام من وجودهم هو استقلالية الكنيسة المحلية من كافة النواحي. فالاجتماع العام للكنيسة المحلية هو صاحب السلطة العليا تحت سلطان الرب يسوع . من هنا فان الكنائس المعمدانية تجتمع معاً في روابط أو مجامع لغرض الشركة أو التبشير ولا وجود لسلطة عليا على الكنيسة المحلية-لا من رابطة ولا مجمع ولا مطران ولا رئيس إرسالية ولا غيرها.
يبدو ان ظروف كنائسنا، ضعفها وقلة عدد الأعضاء فيها بالإضافة لارتباط الكنائس بمؤسسات أخرى في شؤون أملاكها ومبانيها وضرورة التنظيم في سبيل الاعتراف من الدولة- تحذو برابطة الكنائس المعمدانية في العقد الأخير أن تصبح كاتحاد للكنائس هو ليس مجرد إطار طوعي للشركة بل يفرض واقعاً جديداً على الكنائس.

2- العلاقة مع الانجيليين: حافظت الكنيسة المعمدانية في سنواتها السابقة على علاقات محدودة للغاية مع الكنائس الانجيلية الأخرى وذلك نظراً للقيادة الأجنبية فيها التي انتهجت نفس الموقف السائد في الغرب وهو خط  فئوي تقوم كل كنيسة فيه بالتعاون مع الكنائس من ذات الفئة فقط. مع تأسيس مجمع الكنائس الانجيلية، ومع صعود قيادة شابة وواعية لظروف حياة الانجيليين في بلادنا وخصائصهم وبتأثير رابطة الطلاب المسيحيين وغيرها- أصبح هناك تعاون أكبر بين الكنائس الانجيلية في بلادنا على فئاتها المختلفة. ولقد اتخذ المعمدانيون دوراً رئيسياً بين الفئات الانجيلية الأخرى لانفتاحهم ولكونهم العائلة الانجيلية الأكبر في البلاد. يبدو أن وجودهم في الوسط في موضوع المواهب الكارزماتية بين الفئات الخمسينية وجماعات الإخوة – ساهمت في لعبهم دور ريادي في العمل الانجيلي المشترك.

3- العلاقة مع الكنائس المسيحية الأخرى:
 لطالما نظرت الكنائس المسيحية التقليدية للمعمدانيين نظرة شك وحاولت تهمشيها متهمة إياها بسرقة خرافها. كان للمدرسة المعمدانية في الناصرة خلال عدة عقود الدور الكبير في إعطاء شرعية للمعمدانيين في عاصمة الجليل (وكنتيجة لذلك أيضاً في الجليل برمته) لتقديمها خدمة تربوية عامة ومتميزة لكل فئات المجتمع. ولكن هذه الشرعية المحدودة للمعمدانيين لم تتحول لانطلاقة في تلك العلاقة التي بقيت محدودة للغاية ويحكمها الشك والقطيعة.

4- العلاقة مع الهيئات:
شهدت بلادنا تأسيس  الهيئات التي تقوم بخدمات متخصصة هي بالأساس من عمل الكنيسة (مثل التلمذة، التبشير، عمل الشباب، الأولاد وغيرها). جذبت هذه الهيئات صاحبة الموارد خامات بشرية ممتازة للخدمة فيها وأحياناً جاء ذلك على حساب الكنيسة ودون التنسيق معها. لم تكن مثل هذه الهيئات موجودة قبل عدة عقود. خلق هذا الوضع الجديد التوتر أحياناً والتعاون أحياناً أخرى. لقد ضم مجمع الكنائس الانجيلية ممثلين عن الهيئات مما فتح مجالاً للحوار والتعاون. يتوجب طرح موضوع آلية العمل والتعاون بين الهيئات وبين الكنائس المعمدانية على بساط البحث.

5- الكارزماتية:
 اتصفت الكنائس المعمدانية في بداياتها بأسلوب العبادة التقليدي المتأثر من المرسلين المعمدانيين الجنوبيين الذين أسسوا الكنائس. غير انه كان لقسوس عديدين من دول محيطة تأثير كبير على الكنيسة المعمدانية لانتهاج أسلوب عبادة ولاهوت أكثر كرزماتية وخمسينية أمثال قسطه الدير وبهجت بطارسة في السبعينيات والثمانيات والقس أندراوس أبو غزالة في العقدين الأخيرين. تتفاوت الكنائس المعمدانية اليوم بين ما هو أكثر كارزماتية وما هو أقل ولا تصطبغ جميعها بنفس أسلوب العبادة ولا اللاهوت المتعلق بالروح القدس.

6- ارتياد سهرات الأفراح وشرب الكحول:
بتأثير المرسلين كان أعضاء الكنائس المعمدانية يمتنعون لسنين طويلة عن ارتياد حفلات الأعراس التي تشمل الأغاني والموسيقى والرقص ويمتنعون بالكلية عن شرب الكحول في الأعراس أو حتى سراً في البيوت. لقد طرأ تغيير كبير من هذه الناحية في السنين الأخيرة وأصبح ارتياد الحفلات وحتى عقدها عند قران معمدانيين أشبه به عند باقي المسيحيين. كما أصبح شرب الكحول أكثر رواجاً عند المعمدانيين. تجدر الإشارة انه لم يتم بحث كاف في الكنائس المعمدانية حول هذه الظاهرة.

7- السياسة ولاهوت آخر الايام:
علّم المرسلون والرعاة من الرعيل الأول أن التعامل بالسياسة يناقض الإيمان ويضعفه بحجة أنها تحتوي على مؤامرات ودعم طرف ضد الآخر. لم يتم التعامل مع الأسئلة المعقدّة المتعلقة بهويتنا كعرب فلسطينيين في بلادنا. كما اتُخذ اللاهوت التدبيري او سابق الألف كمسلّم به على ما يحتويه من تداعيات سياسية. المزايدة الوطنية واتخاذ بعض الوطنيين للإلحاد كعقيدة أبعدت المعمدانيين عن الخط الوطني أكثر فأكثر.
طرأ تحول في السنين الأخيرة في تعامل الكنائس المعمدانية وأعضاءها في المواضيع السياسية ولم تعد "السياسة" كلمة محظورة في الأوساط الانجيلية عامة وبين المعمدانيين خاصة . وقد ساهم في ذلك ما طرأ من انفتاح على  خطوط لاهوتية اخرى وفهم جديد لتعقيدات السياسة وامكانية التعامل فيها.

8- قيادة الكنيسة والانقسام:
شهدت الكنيسة المعمدانية انقسامات كنسية عديدة تنبع اغلبها من صراع على السلطة، عدم إشراك الأعضاء في الخدمة، عدم إعطاء ردود على الحاجات المختلفة وتصلب في القيادة. ونادراً ما كان الاختلاف اللاهوتي سبباً في الانقسامات في الكنائس.
لقد أدت هذه التوجهات الى سلخ أعضاء عن كنائسهم (وفي أغلب الحالات بعد صراع مرير) وتأسيس كنائس جديدة. فُرضت الكنائس الجديدة على الكنائس القائمة كأمر واقع بعد معارضة أولية.
اعتقد أن هذا من أهم الأمور التي تحتاج لتعامل وانتباه من قادة المعمدانيين في البلاد في السنين القادمة.

9- شيوخ أم شمامسة:
ينتهج اغلب المعمدانيين الجنوبيين في امريكا نظام القسيس والشمامسة الذين يعاونوه ولا مكان للشيوخ هناك. يسري هذا الترتيب أيضاً في أغلب الكنائس المعمدانية الأخرى في العالم.
تحت تأثير تعليم جديد (من خدام معمدانيين وغير معمدانيين) تم في بعض الكنائس اعتماد نهج جديد في العشر سنوات ونيف الأخيرة وهو رسامة الشيوخ كناظرين في الكنائس. بعض الكنائس الاخرى استمرت بالنهج القديم.
لم يتم تقييم الطريقتين لمعاينة مدى نجاح كل واحدة منها خصوصاً بعد التجربة الجديدة.

10- العشاء الرباني:
انتهجت الكنائس المعمدانية نظام العشاء الرباني كرمز ويتم القيام به مرة كل شهر ويستخدم فيه العصير دون استخدام الكحول.
مؤخراً أصبحت بعض الكنائس تعقد الفريضة مرة كل أسبوع بتأثير هيئة أجنبية داعمة لخدام معمدانيين. بينما ذهبت إحدى الكنائس القليلة التي كانت تعقده مرة كل أسبوع في الاتجاه المعاكس فأصبحت تعقده مرة بالشهر- وذلك بتأثير قسيس خدم فيها.
استوردت الكنائس المعمدانية نهج العصير الخالي من الكحول لاعتماده في امريكا نظراً لرغبة الكنائس هناك عدم تقديم عثرة لمدمني كحول سابقين تابوا وانضموا للكنائس. لم ترغب الكنائس المعمدانية في أمريكا أن يعود المدمن السابق للكحول بعد تذوقه الكحول في النبيذ خلال الفريضة المقدسة.
لم تجد بعض الكنائس المعمدانية في البلاد هذا الأمر هاماً فأخذت تستخدم النبيذ العادي مع الكحول بدل العصير.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا