«الحُلم الأمريكي»، «أرض الأحلام»، من أهم الشعارات التي يرددها الأمريكيون عن بلادهم. حتى أصبح «الحُلم الأمريكي»، غاية يسعى إليها الكثير من شعوب العالم، وأصبحت «أرض الأحلام» مقصدًا يرغب أن يَحُطَّ عليه معظم شباب العالم، وذلك لأنَّ الآلة الإعلاميّة الأمريكيّة، دائمًا ما تبثُ تلك القيم التي يقوم عليها «الحُلم الأمريكي»، والتي تتلخص في أنَّ الحياة يجب أن تُعاش وفق مُثل عُليا، يتمتع فيها ومن خلالها الإنسان _كُل إنسان_ بالحياة وبالديمقراطيّة، وبكافة الحقوق والحريّات، والفرص في النجاح، والمساواة بين الأجناس والأعراق، والأديان، تلك المُثل والمبادئ التي يجب أن تحميها الحكومة لكي تضمن لكل إنسان أن يحيا حياة الازدهار والنجاح والارتقاء على درجات سلم الحراك الاجتماعي، شرط الاجتهاد والشفافيّة والنزاهة.

وقد كتب تروسلو آدامز عام 1931م، أنَّ الحلم الأمريكي، هو الذي «يجب أن تكون الحياة فيه أفضل وأكثر ثراءً واكتمالًا للجميع، مع إتاحة الفرصة لكل فرد وفقًا للقدرة أو الإنجاز» بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية أو ظروف الولادة؛ هذا وقد تجذَّر الحلم الأمريكي في إعلان الاستقلال، الذي يعلن أنَّ «جميع البشر خلقوا متساوين» ولهم الحق في «الحياة والحرية والسعي وراء السعادة». وقد عزَّز دستور الولايات المتحدة في ديباجته، حرية مماثلة، لتأمين بركات الحرية لأنفسنا ولأجلنا».

وأمام جائحة كورونا، التي كشفت أمام وسائل الإعلام ووكالات الأنباء عن سوء الأحوال الطبيّة والصحيّة، وكذلك ما رأيناه بعيوننا من نفاذ المواد الغذائيّة الضروريّة، وعدم الاستعداد الكافي لمثل هذه الجائحة، والتخبط في إدارة تلك الأزمة، والتي انعكست في زيادة نسب الوفيّات والإصابات حتى تصدرت أمريكا قائمة الترتيب العالمي لمنظمة الصحة العالميّة، وقد تفاقمت الأزمة بكسادٍ اقتصادي، تخطى الكساد الاقتصادي العظيم، فرأينا الكثير من الناس يفقدون وظائفهم وأعمالهم، حتى وصلت أعدادهم إلى ما يقرب من 36 مليون عاطل عن العمل، وارتفع معدل البطالة حتى وصل إلى ما يقرب من 15 في المائة، وبالتالي زيادة أعداد طالبي الإعانة.

وقبل أن تجتاز الإدارة الأمريكيّة تلك الأزمة، جاءت حادثة مقتل الأمريكي الأسود جورج فلويد على يد ضابط أمريكي أبيض، وما خلَّفته تلك الحادثة من مظاهرات واحتجاجات، أعادت للأذهان العنصريّة البغيضة التي عانى منها أصحاب البشرة السوداء، ولم تنته حتى الآن تداعيّات تلك الأزمة.

أمَّا إذا نظرنا إلى العلاقات الخارجيّة الأمريكيّة في هذا الظرف الراهن، نجد أنَّ الدولة الأمريكيّة فقدت بريقها على عدة محاور، منها الأسيوي، والشرق أوسطي، وفي القلب منها أصبح الأوروبيون لا يتطلعون إلى ريادة، أو قيادة الولايات المتحدة كما كانوا في الماضي. فهل يمكن أن تُصبح هذه الأحداث _جائحة كورونا، الانهيار الاقتصادي، العنصريّة_ نهاية الحُلم الأمريكي؟ أم أنَّ الحُلم الأمريكي كان مجرد أسطورة؟

في اعتقادي أنَّ الحُلم الأمريكي ما هو إلا أنشودة، وضع كلماتها مؤسسو الإمبراطوريّة الأمريكيّة، وتغنت بها الآلة الإعلاميّة الأمريكيّة بكل إمكاناتها الضخمة، حتى أصبح حُلمًا يحلم أن يحققه الكثير من البشر حول العالم، بالهجرة الشرعيّة وغير الشرعيّة؛ لكن سرعان ما يكتشف المهاجر زيف هذا الحلم، الذي طالما ردد أصحابه، إنَّ النجاح والازدهار مقابل الكد والجهد والعمل، ودعني أقول أنَّ أبناء البلد أيضًا بدأوا يكتشفون زيف هذا الحلم، في فسادٍ داخلي، أو ما يُسمى «نقل الثروة» للأجيال القادمة، من خلال دفع رشى لتعليم أبناء الأغنياء في أفضل الجامعات الأمريكيّة، وحتى لا تخرج الثروة عن ملكيّة الأقليّة التي تمتلكها، وما كشفت عنه جائحة كورونا من ارتفاع نسبة الوفيات بين الملونين والسود مقارنة بذويّ البشرة البيضاء، إلى فداحة العنصريّة المتأصلة في المجتمع، وفي تعارضٍ واضح بين الحُلم الأمريكي والقيم المسيحيّة، التي تُشجع على تبعيّة المسيح مقابل الغنى وامتلاك الممتلكات، وأنَّ القيمة الحقيقيّة في معرفة إنسانيّة وكرامة الإنسان، المخلوق على صورة الله، وليُحقق رؤية وهدف الله لحياته، وليس فيما يمتلكه من أموال لأنَّ الماديّة والثروة إلى زوال، بينما الحياة مع المسيح وفي المسيح هي الاختيار الأفضل والنجاح الذي لا يدانيه نجاح آخر.

وإذا ما كانت الظروف الراهنة تمثل تحديًا وربما إعلانًا لفشل الحُلم الأمريكي، إنما في اعتقادي أنَّ الفشل الحقيقي للحُلم الأمريكي جاء من ابتعاده عن منظومة القيم المسيحيّة والكتابيّة.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا