عصر السرعة

"كل شيء زاد عن حدّه نقص"، هذه مقولة معروفة ومشهورة ونتداولها كثيراً في حديثنا. وهي تنطبق على جميع الأصعدة تقريباً. والتكنولوجيا هي احدى هذه الأصعدة، فلدينا اليوم إختراعات واكتشافات كثيرة تسهل الحياة وتجعلها أكثر سلاسة وراحة، ولكل واحد من هذه الاكتشافات وجهه الإيجابي والآخر السلبي. ولنأخذ مثالاً شائعاً على ما أقول، وهو الهاتف النقال، او الهاتف الذكي، أو الآيفون. وفي يومنا هذا، تقريباً الكل يحمل جهازاً متطوراً، الكبير والصغير، وإذا لم تكن تحمل جهازاً مثل هذا فأنتَ لستَ مواكباً للعصر والتطور، أو يُطلق عليك:"دَقّة قديمة"! ولقد طغى استعمال هذه الآليات على كل المجالات! فلم يعد هنالك حاجة لأن تتعب نفسك يدوياً، بل كل ما عليك فعله هو ان تمرر اصبعك على الشاشة، وها كل شيء متاحٌ لك حالاً! فأنت تتصل مع العالم الخارجي بينما تجلس في مكانك، وتقوم بالمشتريات المختلفة دون الحاجة الى التكبد في عناء الانتظار في الصف الطويل للدفع. وسأطرح في مقالي هذا ثلاث نقاط حول الحالة التي توصلنا لها اليوم بسبب هذه الأجهزة:

1) إدمانٌ قاتِل

إن هذا الجهاز هو إدمان العصر، فعندما أتواجد في محطة الباص، فإن الأغلب من طلاب المدارس أو العمال، يدققون بالهاتف تدقيقاً شديداً، وحتى إن مر شخص أمامهم فلا ينتبهون لذلك فقد جذبهم هذا الجهاز جاذبية عجيبة، وشد عقلهم وحواسهم كلها بطريقة غريبة! ولننتقل الى الزيارات والإجتماعيات، التي تكاد تقتل بسبب هذه التلفونات! الكلمات تتقلص، والتعبير عن المشاعر أصبح رسالات، والتعبير عن الإعجاب هو عبارة عن اللايكات! فقد تجلس في زيارة وفجأة تجد الكل يلامس شاشة التلفون، يا إلهي، ماذا تفعلون؟ أليس من المفروض ان نتحدث وان نتواصل وجهاً لوجه؟ وهنالك بعض الاشخاص مصابون بهوس فحص الهاتف في فترات متقاربة، وكأن تغييراً هائلاً سيحدث بين هذه الفترات. إنَّ كل ادمان يبدأ في عادة، فلما لا نستبدل عادة تفحص الهاتف بأمور اخرى تبنينا روحياً وإجتماعياً؟ مثل عادة الصلاة، فالكتاب يقول: "صلوا بلا انقطاع" (1 تسالونيكي 5: 17)، أي لتكن الصلاة جزء لا يتجزأ من يومكم، انشغلوا بها ودعوها تتغلغل في كل فقرة من فقرات النهار. دع الكتاب المقدس يكون صديقك المُقرَّب (فأحفظُ شريعتك دائماً إلى الدهر والأبد- مزمور 119: 44). إقرأه يومياً فلن تكون مُجرَّب. إن حب يسوع والشغف لقراءة كلمته هو إدمان، لكنه إدمان إيجابي يعطي لحياتك الضمان، ويحميك من تلوثات العالم ومكر الشيطان. تعال اليه يومياً بالصلاة وطلب الغفران، فلن تجد سوى الفرح والسلام والإطمئنان!

2) أوجاع للمفاصل وعقل خامل

إن حركة مسح الشاشة المتكررة تؤدي مع مرور الوقت والإستعمال اليومي الى آلام قد تصل درجتها الى آلامٍ حادة في بعض الأحيان: آلام في الأصابع، كفة اليد، الكتف، مشاكل وإلتهاب في الأوتار. ولكن الأخطر من ذلك، يؤدي الإستعمال المتواصل للهاتف أو الحاسوب على حدّ سواء، إلى خمول العقل وهبوط الجسم، وتدني القدرات العقلية والإجتماعية، فأنت تجلس أمام هذه الشاشة لساعات دون أن تشعر بذلك، ويتخدر عقلك وجسدك تلقائياً. وتقل رغبتك في الكلام والتواصل، أو حتى النهوض والقيام بعملك وواجباتك، أي تصبح مع الوقت متكاسلاً وخاملاً. وهنا أقول إحذر عزيزي الشاب، فعقلُ الكسلان هو معمل للشيطان! فالشخص الذي لا يمتلأ بكلمة الرب وحضوره، فحتماً سيمتلأ بشيء آخر، والإنسان الذي لا يملك المسيح على قلبه وعقله وروحه، فسيملكه شخص أو شيء آخر. ابليس يستغل كل باب وثغرة مفتوحة ليدخل منها ويدمر النفس والجسد والروح. والكتاب المقدس يقول بوضوح: "لا تعطوا ابليس مكاناً" (أفسس 4: 27)، وكذلك: "السارق لا يأتي إلا ليسرق.." (يوحنا 10: 10). نعم، فإبليس هو السارق الذي يريد أن يسلب قلبك، عقلك، روحك وأيضاً جسدك. يسوع بالمقابل جاء ليعطيكَ حياة، وحياة أفضل، ويجعلك ناجحاً، مثمراً، فعّالاً في ملكوته، وليس عليك سوى أن تفتح له القلب، وتعلن بأنه هو السيد والرب، فيعطيكَ نعمة ويملأ قلبك ويشبعك في مراعي الحب.

3) حَدُّ فاصل

لقد تكلم الكتاب المقدس عن العبودية والخضوع للأسياد: "ألستم تعلمون أن الذي تقدمون ذواتكم له عبيدا للطاعة، أنتم عبيد للذي تطيعونه: إما للخطية للموت أو للطاعة للبر" (رومية 6: 16).

إنَّ الشيء أو الشخص الذي يشغل قلبي وفكري، وقتي وحياتي، هو بمثابة السيد الذي يسود علي بالكامل. وهذا السيد إما أن يقودني للحياة أو للموت، إما أن يملأني فرحاً أو يجعلني في كآبة وحزن. وإنه قراري الشخصي بالإختيار: هل أدع هذا الشيء يسود علي أم أنا الذي يجب أن اسود عليه؟ نعم بإمكاني أن أجعل من هذا الجهاز أداة للخير والخدمة، وذلك بإرسال رسائل تشجيع لأشخاص، مشاركات روحية على مواقع التواصل، الاستماع للكتاب المقدس. 

وأخيراً أقول: ان التطور والتكنولوجيا ضروريان في حياتنا، ونعم هنالك أمور تسهل الحياة، لكن الإنشغال المبالغ به فيها، يصبح في حياتنا قيد وصنم، وننقاد اليه مثل الغنم! وإن إلهنا اله غيور، لا يريدنا أن نعبد سيدين، بل أن يمتلأ القلب منه هو وأن نبقى فيه مشغولين، نعطيه الأولوية والسيادة، فلا نكون إلا فرحين.