إنَّ شخصية الرب يسوع كانت وما زالت أعظم وأروع شخصية عرفها التاريخ على مدى عصوره. فلقد عرف العالم فلاسفة ورجال علم عظماء ساهموا في تغييرات ملموسة تركت أثَرًا وبَصمَةً وكلامًا تناقلتهُ الناس على مرِّ الأجيال. كذلك عرَف العالم الأنبياء العُظماء، الذين كانوا أداة بيد الرّب، وفَمَهُ المتكلم الى الشعوب. لكن حتى هذه الفئة المُميزة اتَسَمت بالضعفات الإنسانية والزّلات البشرية، فحتّى هم لم يكونوا المثال الكامل أمام الناس حتى يُحتَذى بهم.

العالَم كُلُّه يصرخ، والبشرية تَئِنُّ وتتمخض، تَصرخ وتُعلن:"نَحنُ بحاجة الى مُخلّص"!

وبفضل محبة الله الفائقة للبشر، وبفضل نعمته، عندما جاءَ ملىء الزّمان، أرسلَ يسوع المسيح، كلمته وإعلانه الواضح والمُباشر عن شخصه وطبيعته وصفاته.

ومنذُ دخول يسوع إلى عالمنا انشَقَّ هذا العالم الى نصفين، وانشطر التاريخ الى شطرين. ومنذ ميلاده انقسم البشر الى فئتين: فئة رَحبّت به، وفئة رفضته ودَبّرت للتخلص منه. وأثناء حياته المُعجزية على الأرض، التصقت به الناس، وكيف لا وذلك هو الإنسان الخارق الذي انتظروه ليُسدد احتياجهم، وليملك عليهم.

تبعت يسوع خلال مسيرته على الأرض جموع كثيرة، نستطيع أن نقسمها الى خمس مجموعات، ونستخلص دروسًا وعِبرًا من كل مجموعة، وأريد أن أبدأ في المجموعة الأكبر وهي الجموع (متى 25:4):
انبهرت هذه الفئة بمعجزات يسوع الخارقة وانجذبت إليها، وكان كل تركيزهم على تسديد احتياجهم المادي، ولم يمتدّوا الى أعمق من ذلك. لسان حالهم كان: "أشبعني، باركني، اشفيني...". ودارت كل طلباتهم حول الذات. وكانوا عديمي المسؤولية، ولا يريدون أي التزام. هؤلاء أتباع "المصلحة الشخصية".

الفئة الثانية هي: فئة الاثنين والسبعين تلميذًا (لوقا 1:10): لقد كان هؤلاء من بين الجموع التي تبعت المسيح. ولقد أعطاهم سلطانًا لكي يصنعوا المعجزات. فما إن أرسلهم يسوع، جالوا وسط المُدن يحدثون عنه ويصنعون المعجزات. لكن وعلى كل هذا العمل الجَبّار، فكانت هنالك مشكلة متخفية، وهي دوافعهم من وراء هذه الأعمال، ونجد ذلك في الآية 17:"يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك". لقد كان تركيزهم على المعجزة وليس على صاحب المعجزة، لذلك أجابهم يسوع:"لا تفرحوا بهذا بأن الأرواح تخضع لكم، بل افرحوالأن اسمائكم كتبت في السماوات" (لوقا 20:10). هؤلاء هم أتباع "المعجزات غير الاعتيادية".

الفئة الثالثة هي فئة: الاثنا عشر (لوقا 1:9). تميزت هذه الفئة بتنوعها وبتعدد خلفيات أعضائها وشخصياتهم، فمنهم العَشّار والصّياد والمندفع والعاطفي والخائن والمُحب. أمّا يسوع فقد اختارهم بعناية وبعد ليلة كاملة من الصلاة ليجعلهم تلاميذه وليكرزوا بإنجيله في كل العالم. لكن في أماكن مختلفة في الكتاب المقدس نرى ايمان التلاميذ يضعف ويهتز، لأنهم ركزّوا على الظروف بدلاً من التركيز على يسوع. وعندما كان يسوع في البستنان وأتى رؤساء الكهنه ليقبضوا عليه، فرَّ كل التلاميذ وتركوه وحيدًا، لم يبقَ واحد منهم ليقف معه ويدافع عنه. كانوا خائفين إذ حوّلوا أعينهم عن يسوع وركزّوا على الظرف الصعب. وكم نتخلى عن يسوع عندما نواجه مشكلة صعبة، ويضعف إيماننا ويهتز ونجدنا نصرخ مثلما صرخ التلاميذ:"أما يهمك أننا نهلك"! هؤلاء أتباع "المسيحية العاطفية".

الفئة الرابعة: بطرس، يعقوب ويوحنا: هؤلاء الثلاثة عاينوا أكثر الحوادث التي ظهر بها مجد يسوع، فلم يكن غيرهم معه على جبل التجلي(مرقس 2:9)، كذلك عندما ذهب الى بيت يايروس لإقامة ابنته، لم يدع أحدًا يدخل الا بطرس ويوحنا ويعقوب مع والديَّ الصبية (لوقا 51:8). لقد تمتعوا بهذا الامتياز بأن يكونوا شهودًا على هذه الأحداث العظيمة، وذلك لأنهم كانوا الأكثر استعدادًا من الباقين لِفَهم الحق العظيم الذي أُعلِنَ عن يسوع وقبوله وهو الحق المتمثل بالإعلان الإلهي القائل: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت". كذلك استجاب هؤلاء الثلاثة لدعوة الرب (مرقس 16:1)، وذُكروا في أول قائمة التلاميذ في الإنجيل (مرقس 16:3)؛ إنهم أتباع الدّعوة الإلهية.

الفئة الخامسة نجدها ممثلة في شخصية يوحنا الحبيب. هذا التلميذ الذي كان أصغر التلاميذ، لكنه كان أقربهم الى يسوع وأشدَّهم حبًا له. لقد تعلَّق قلب يوحنا بيسوع، وملأ هذا الحب كل الضلوع! وكان له الامتياز بأن يتكأ على صدر يسوع الدافىء ويسمع نبضات قلبه، ويتمتع بقربه وكلامه الخاص له. هذا التلميذ بقي مُخلصًا حتى النهاية، حتى وصول المسيح الى الصليب، وبعدما تركه التلاميذ الباقين. لذاك وكَّلهُ يسوع على أقرب الناس إلى قلبه وأغلاهم عليه؛ وكَلّه على الاعتناء بأمه. وقال له: "هذه أمك". ولم يكن ليوكله بهذه المسؤولية ما لم يكن واثقًا من محبته الصادقة.

والمسيح لا يُسلمنا مهامًا خاصة ما لم يكن هنالك عمق شديد في محبتنا له واخلاصنا له؛ في يوحنا نجد "أتباع المحبة الحقيقة".

وفي ختام الأمر أريد أن أوجه سؤالاً مهمًا لأعزائي الشباب:" لماذا تتبعون يسوع؟ ألكي يشبعكم في الجوع؟ أم  لمعجزة تبهر الجموع، أم تبعيّتكم له ما هي إلا كلمات ومشاعر بين الضلوع؟ أم تُحبونه وتكرسون له كل كيانكم وتعلنون:" أنا ملكك يا يسوع، أتبعك ربي دومًا أتبعك بلا رجوع"!