قال يسوع: "أنتم ألآن أنقياء بسبب الكلام الذي كلمتكم به".(يوحنا 3:15).

كلمة الله نقية، وكلما قرأناها تعمل في تنقيتنا من الداخل. وهنالك عامل آخر والذي هو مهم جدًا لتنقيتنا وتغييرنا، والذي هو الروح القدس. فهو يبكتنا ويعمل فينا للتطهير من الداخل، خلال حضورنا الاجتماعات، وخلال خلوتنا الشخصية مع الرب. لكن هنالك أشياء مترسبة ومتغلغلة في دواخلنا والتي لا يمكن أن نتخلص منها، الا عندما يُدخلنا الرب في أتون النار.

وسنتأمل في قصة يعقوب، ونتعلم منها دروسًا عن كيفية تعامل الله معنا للتشكيل والتنقية والتغيير. فعندما نقرأ قصته، نجد الفارق البعيد بين يعقوب الذي وقف أمام اسحق ليخدعه، ويعقوب في نهاية حياته عندما وقف أمام فرعون ليباركه، فيعقوب الذي كان واقفاُ أمام اسحق كان شخصًا مملوءًا مكرًا وخداعًا وشرًا، وكذلك كان أنانيًا ومتكلًا على الجسد. فعندما جاء عيسو لأبيه لكي يباركه، قال له اسحق:"قد جاء أخوك بمكرٍ وأخذَ بركتك".(تكوين 35:27). ولكن يَدي الصائغ الماهرأدخلته النار واستطاعت أن تُنقيه في نهاية حياته، ليعترف بمعاملات الله الصالحة وهويبارك ابنه يوسف قائلًا:"بركات أبيك فاقت على بركات أبوَيَّ".(تكوين 26:49).

أعزائي، ليس غرض الرب من سماحه لنا بالدخول في التجارب فناءنا، بل تنقيتنا وتأديبنا، لذلك يقول ليعقوب:"أما أنت يا عبدي يعقوب فلا تخف لأني معك لأنني أفني كل الأمم الذين بددتك اليهم، أما أنت فلا أفنيك بل أؤدبك بالحق ولا أبرئك تبرئة".(إرميا 28:46).

يشهد الكتاب المقدس قائلًا عن يعقوب: "لم يبصر إثمًا في يعقوب، ولا رأى تعبًا في اسرائيل. الرب الهه معه". وقد نتساءل: "كيف لم يرَ الرب إثمًا في يعقوب"؟ هذا الشخص المخادع، الذي لم يخدع أباه فقط، خدع عيسو أخاه وخاله لابان أيضًا! وقد يراودنا سؤال آخر: "كيف لم يرَ الرب فيه تعبًا بعد كل هذه الحياة المليئة بالمكر والخداع"؟ ونجد الرب يجيب على ذلك: "إني قد أمرت أن أبارك، فإنه قد بارك فلا أرده". نعم، لأنه هو الرب، "هو ليس إنسانًا فيكذب ولا إبن انسان فيندم، هل يقول ولا يفعل يتكلم ولا يفي".. ان بركات الرب لا تُرد واحساناته لا تتوقف أبدًا، وحتى إن كان يستخدم النار لتنقيتنا، فإنه يعود ويرحمنا ويغفر آثامنا.

لقد دخل يعقوب النار الإلهية عدة مرات لكي يصل الى الصورة التي أراده الرب ان يكون فيها. فإن شوائب المكر والخداع لم تخرج منه بعدما نجاه الرب من غضب أخيه عيسو (تكوين 41:27 -45). وأيضًا لم تكفِ عشرون سنة في نار أتون خاله لابان (تكوين 40:31 -41). فبدلًا من أن يرجع يعقوب عن خداعه، نجده يخدع لابان خاله ويهرب منه. لكن بسبب رحمة الرب معه، ظهر للابان في حلم ليمنعه من أن يصنع شرًا ليعقوب.

عزيزي الشاب، عزيزتي الشابة في طريق تنقية الرب لنا، لا تتغير محبته ولا يندم على إحسانه ولا ينسى وعوده لنا، لأن هبات الله ودعوته بلا ندامة (رومية 29:11). فيسمح الرب أنت نتألم لهدف محدد ولوقت محدد، ولكن رحمته بلا حدود، فهو لا يحاكم الى الأبد ولايحقد الى الدهر. وهو القائل:"لحيظة تركتك وبمراحم عظيمة سأجمعك" (إشعياء 7:54). فدعونا نطمئن ونحن بين يدي الهنا الرحيمة والمُحبّة والحنونة.

وها هو يعقوب يخرج من التجربة مع خاله لابان، لكن اتكاله على ذاته وعلى قدرته الجسدية لم يفارقه، ولهذا اضطر الرب أن يواجهه مباشرةً، وجهًا لوجه. وصارعه حتى طلوع الفجر وضرب حق فخذه، لكي يخلع منه كل الشوائب من مكر وخداع واتكال على الذات. إنه يسير أعرج الآن، لكن تفكيره لم يخضع للرب بعد، واستمر يفكر ويدبر بطريقته الخاصة وأراد أن يقسم أولاده إلى أربعة أقسام بين ليئة وراحيل والجاريتين، حتى يحمي راحيل المحبوبة وابنها يوسف من أي شر (تكوين 1:33 -2). ولكن ما أعظم الهنا الذي لا يفشل ولا ييأس منا ابدًا، فيستمر بمعاملاته وتنقيته، لذلك فإنه يُدخل يعقوب بتجربة أصعب، تجربة ابنته دينة في شكيم (تكوين 1:34-2)، والتي بعدها ظهر له الرب قائلًا:"قم اصعد الى بيت ايل وأقم هناك واصنع هناك مذبحًا لله...". ونرى هنا كيف أن هذه التجربة المُرّة أدت الى أن يخرج من قلب يعقوب كل ما هو غير طاهر، حتى أمر كل أهل بيته أن يعزلوا الآلهة الغريبة من بينهم وأن يتطهروا (تكوين2:35). مع أن الرب لم يطلب منه ذلك، الا أن يعقوب اراد أن يتنقى ويتخلص من كل ما هو غريب. وها هو أخيرًا وبعد هذه التجربة المُحرقة والأليمة،يستسلَم، ويخرج ويطمر كل الشوائب. ثم تكتمل الصورة الرائعة فنراه يقف ليبارك فرعون وبعدها يبارك اخوته.

وبالنهاية، أتمنى أن لا تكون الشوائب مختلطة وممتزجة بالذهب بشدة في حياتك، حتى لا تتعرض لهذه الدرجة من المعاملات للتنقية ولانتزاع الشوائب.

قال يسوع:"كل غصن في لا يأتي بثمر ينزعه، وكل ما يأتي بثمر ينقيه ليأتي بثمر أكثر" (يوحنا2:15).

فعندما دخل الفتية الثلاثة الأتون المُحمى، لم تستطع النار ان تحرق منهم إلّا القيود! ولذلك عندما يُدخلنا إلهنا في تجربة، فإن شعرة واحدة لن تسقط منا، لكن الذي سيسقط هوكل ثقل، وأطنان الشوائب كالمكر، أفكار الحسد، والاعتماد على الذات. فليعطنا الرب أن نحتمل برضى وشكر كل ما تسمح به عنايته ويده الصالحة من تجارب، فنتنقى ونخرج كالذهب، ونتمم قصده الإلهي في حياتنا.