2 كورنثوس 4:10-5، أمثال 7:23

لقد شهِدَ التاريخ معارك وحروب عظيمة، سُجلت أحداثها في الذاكرة لسنوات طويلة، واستخدمت هذه الأحداث لتشكل منهاجًا تعليميًا يحفظه طلاب المدارس جيلًا بعد جيل. لكن المعركة الأعظم على الإطلاق، ليست تلك المحسوسة والملموسة، ولا تلك المعارك الجسدية، لكنها معركة الذهن، الحرب الروحية التي تحتل مساحة في أراضي أذهاننا، وطرفاها هما الخير والشر.

وهنالك حقيقة مهمة يجب أن ننتبه إليها في البداية، وأن ندركها ونفهمها جيدًا: إن تلك الأفكار التي نفكر بها، والكلمات التي تخرج من شفاهنا، لها أهمية قصوى وأبعاد كبيرة. فربما تفكر في نفسك:" إنها ليست سوى كلمة صغيرة ليست لها تلك الأهمية". لكن اعلم ان حتى هذه الكلمة التي تبدو لك عابرة وليست ذو أهمية بالغة، لها فاعلية وأبعاد في العالم الروحي. فما إن تخرج من أفواهنا، حتى تتخذ أجنحة وتطير في الأجواء لتؤثر فيها، إما سلبيًا أو إيجابيًا، للخير أو للشر، للعنة أو للبركة.

حقًا إنه موضوع مهم وخطير، ويستحق منا تأمل ودراسة عميقين، وذلك لأن له تأثيرًا كبيرًا في كل مجالات الحياة: الروحية والنفسية والاجتماعية والجسدية. ومهما أبحرنا في الدراسة، فستظل هنالك أمور جديدة نحتاج أن نتعلمها، وأخرى نعرفها ونحتاج أن نتذكرها.

(كما يفتكر الإنسان في قلبه هكذا يكون –أمثال 7:23)، وفي بعض الترجمات يقول: "هكذا يصبح". إذا أرخينا يدينا عن المقود أثناء قيادة السيارة، فسنفقد التحكم، والنتيجة تكون أليمة، وهذا عينه ما يحدث لو تركنا للفكر المجال ليأخذنا حيثما يشاء، فالعقل أو الفكر هو القائد والمُتَقدّم في كل الأعمال. هنالك قول مشهور عن هذا الموضوع: "راقب أفكارك فإنها ستتحول الى كلمات، راقب كلماتك فستتحول إلى تصرفات، راقب تصرفاتك فستتحول إلى نمط حياة".

إن أفعالنا هي النتيجة المباشرة لما يدور في أفكارنا، هي الترجمة والإعلان الخارجي لكل ما هو داخلي. وفي (رومية 5:8) يتحدث عن قائدان للفكر والحياة وهما: الجسد والروح. فإذا كنت تُفكر فكرًا بحسب الجسد، فلا تتوقع أن تُظهر تصرفات وكلمات روحية، والعكس كذلك صحيح.

هنالك حقيقة مُؤكدة ومثبتة أن مشاكل الكثير من الناس تنبع من طريقة تفكيرهم. وينجح إبليس في عرض أفكار خاطئة عن كل شخص منا، تمامًا مثل وجودنا في سوبرماركت كبير، حيث تُعرض أمامنا اختيارات متنوعة، لكننا لسنا مجبرين أن نشتري جميعها. فيعرض إبليس بعض القلق والتوتر ويقول لك:" لا بأس بقليل من الغضب والكراهية والانتقام"، " ما رأيك ببعض الحساسية من الآخرين"؟  وبهذه الحالة نحن بأمَسِّ الحاجة إلى معرفة أسلوب التفكير الذي يتفق مع الروح القدس، والأسلوب الذي يتعارض معه، وهذا الأمر لن يحصل ما لم تكن لدينا تلك الشركة القوية والعلاقة الحميمة مع الرب.

(أفسس 12:6): يذكر بولس هنا أمرًا في غاية الجدية والأهمية؛ إنه يُعلن أننا في حرب. ولنتخيل أن دولة تدخل في حرب، لكنها لا تُعير الأمر الاهتمام الكافي ولا تقوم بالاستعدادات المطلوبة، فمن المؤكد أنها ستخسر خسارة فادحة. وحربنا نحن ليست مع دول، لكنها مع إبليس، إنها حرب روحية، ولذالك نحن بحاجة إلى أسلحة روحية حتى ننتصر. ويجب أن نُدرك أن إبليس يحاول أن يهزمنا من خلال سياسة الخداع. إنه ماكر وخدّاع، ويعمل ببطء ووفق خطة مدروسة. فهو يدرس ويحلل شخصيتك بالتفصيل: الظروف والأشخاص التي تزعجك وتوقعك بالخطية. وفي كل مرة يُدبر ويحيك لك مكيدة يُدخل فيها هذه العناصر. ودخوله إلى حياتك يكون عن طريق الذهن وبث أكاذيب وأمور غير صحيحة عن نفسك وعن الآخرين وعن الظروف وحتى عن الله! ويبدأ الأمر بداية صغيرة، ويتحول تدريجيًا إلى حصن يسجننا العدو به.

لكن المُفرح والمُشجع، أننا نستطيع أن نختبر الحُرية والتغيير، وأن الله نَفسه يريدنا أن نكون أحرارًا:
والخطوة الأولى إلى الحرية هي: تجديد الذهن (ولا تُشاكلوا هذا الدّهر، بل تَغيّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم، لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة- رومية 2:12). والطريق إلى تجديد الذهن هو من خلال كلمة الله والشركة القوية، والعلاقة الحميمة معه. (لوقا 29:8- وفيما هو يصلي، صارت هيئة وجهه متغيرة، ولباسه مُبيَضًا لامعًا). في محضر الرب نتغير دائمًا، وأود أن أذكر هنا بعض الأمثلة لأشخاص تغيرت حياتهم نتيجة لقائهم بالرب وعلاقتهم به: استفانوس، الذي عندما أخذوه إلى المجمع ليحاكموه، رأوا وجهه كأنه وجه ملاك (أعمال 15:6). ومثال آخر من العهد القديم موسى، الذي بعدما نزل من جبل سيناء، نظر إليه الشعب وإذ جِلد وجهه كان يلمع من كلام الرب معه (خروج 30:35).

الخطوة الثانية: التغيير من خلال الكلمة (يوحنا 31:8-32): يجب أن نقرأ كلمة الرب باستمرار، وأن نهتم بسماعها وتطبيقها حتى تصبح إعلانًا من الروح القدس لنا. وبالقدر الذي فيه ندرسها ونقرأها، يُزاد لنا خيرًا.

الخطوة الثالثة: التسبيح والصلاة: التسبيح يهزم العدو أسرع من أي خطة حربية أٌخرى، لكن تسبيحنا للرب يجب أن يكون نابعًا من القلب، وليس من الشفاه فقط. والصلاة التي هي العلاقة الشخصية مع الآب، فنحن نقف أمامه طالبين المعونة، ونحدثه عن كل ما يقلقنا ويزعجنا.

أعزائي الشباب، لربما قد تمرون في ظروف صعبة ومشاكل، وقد يكون السبب الرئيسي لذلك هو التفكير الداخلي ونظرتكم السلبية للأمور، ويحاول إبليس استغلال هذه الظروف لكي يبني حصنًا في أذهانكم، لأنه يعرف تمامًا أنه إذا استولى على الفكر، فسيستولي على حياتكم. لكن دعوني أقدم لكم كلمة تشجيع في النهاية: إن الله يسير إلى جانبكم، وتذكروا أنه بالرغم من أن هنالك حربًا في ذهنكم، تشجعوا، فالله إلى جانبكم، فحتمًا ستنتصرون (2 كورنثوس 18:3- ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، كما في مرآةٍ، نتغير إلى تلك الصورة عينها، من مجدٍ إلى مجدٍ، كما من الرب بالروح).