(مرقس 35:4-41)
من مِنّا لا يوّد السَّير مع الرب ما دام كل شيء يسير على أكمل وجه وبركات الرب تحاصره من كل جانب؟ جميعنا نتمنى ان نكون في هذا الوضع، إننا بطبيعتنا لا نحب الألم، لا نُفضل أن نجتاز في امتحانات وظروف صعبة. لكن الرب لا يتعامل معنا على هذا الأساس، فكيف يمكن أن ننضج وأن نتغير لنشابه صورته، وكيف يمكن للإيمان الحقيقي الكامن في قلوبنا أن يُعلن ما لم يُعَبّرنا الله في بعض العواصف في حياتنا؟ جميعنا نُسبّح الرب وتخرج الهللويا والآمين من شفاهنا بسرعة عندما نحضر اجتماعًا مباركًا، وتتعزى قلوبنا ونفوسنا في الترانيم والعظة والصلاة، لكن ما ان نرجع الى بيوتنا ونجد مشكلة بانتظارنا، فسرعان ما ننسى آخر كلمة صلاة خرجت من فمنا، وتتحول لغتنا الى لغة جسدية، لغة شك وعدم ايمان. إن الرب لا يريد أن تكون حالتنا الروحية بهذا التقلقل، بل مشيئته ان نكون ثابتين فيه، حتى إن فاجئتنا العواصف، لا نعتمد على العواطف، بل على الرب القادر ان يُهَدّأ البحر الهادر!

فما الذي يضمن لي ان لا أغرق عندما أواجه العواصف في حياتي؟
1) المكوث في دائرة مشيئة الرب: فمن الذي قال للتلاميذ: " لنجتَز الى العبر"؟  إنه الرب بذاته، وما دام الرب قد أعطى الأمر، فيجب أن تتقدم وتآخذ الخطوة بطاعته دون أن تُفكر أن أمرًا خطيرًا سيصيبك ، فالرب يقصد الخير دائمًا في كل أمر يسمح به في حياتك. ويجب أن يكون موقفك مثل داود الذي قال: "أن أفعل مشيئتك يا إلهي سُررتُ".(مزمور 8:40). فلا تسمح لأي أمر أو ظرف أو إنسان أن يُخرجك من دائرة مشيئة الرب لحياتك.

2) أن تكون في إطار توقيت الرب: نقرأ في العدد 35، (ولَمّا كان المساء)، أي في وقتٍ مُعَيّن. إن الكارثة الحقيقية في حياة المؤمن تحدث عندما يُقدِم على أي عمل أو يتخذ أي قرار بتَسَرُّع، دون أن ينتظر وقت الرب. إن التَسرع يَضر، وكذلك التباطُئ، فالجَنين إذا لم يُكمِل التسعة أشهر في رحم أمه، وخرج قبل الوقت، أو بعد الوقت المُحَدد له، فهنالك احتمال أن يموت. لننتظر الرب وتوقيته، فعندما يُحَقق الأمر الذي طلبناه في التوقيت المناسب، فسيكون لذالك طعم خاص لم نكن سنتذوقه ونشعر بحلاوته، اذا نلناه حسب توقيتنا نحن.(إشعياء 22:60– أنا الرب في وقتِهِ أُسرِع بهِ).

3) الطريقة هي طريقة الرب: سِواءَ كانَ ذلك في السّفينة أم خارج السّفينة، في عدد 36 نقرأ: (وأخذوه كما كان في السّفينة). أخذ التلاميذ كلام الرب كما هو. إنها كلمة بسيطة لكن لها عمق ومعنى كبيرين. فنحن كثيرًا ما نساوم ونجادل عندما يطلب منا الرب أمرًا مُعَيّنًا، وخاصة إذا كان هذا الأمر يُقلق راحتنا، وطريقة القيام به غير مألوفة ومُحَبَّبة لنا، لكن اتّباع الرب وطاعته أمران لا يقبلان المساومة أو المجادلة. إن الرب يريد طاعة فورية، طاعة من كل القلب. لكن للأسف، موقف الكثير منا في هذه الأيام يُشبه موقف الشخص الذي أراد أن يتبع يسوع لكنه قال له :"ولكن إئذَن لي أولاً أن أذهب وأدفن أبي"!(متى21:8). أموركثيرة تحتل المرتبة الأولى في حياتنا وتشتتنا عن الهدف، وتلهينا عن عمل مشيئة الرب. يا ليت موقفنا وكلمات لساننا تكون مثل السيدة العذراء التي قالت:" ليَكُن لي كَقَولِكَ".(لوقا 38:1)

4) السّلام الذي من الرب: "وكانَ هوَ في المُؤَخَّر على وسادة نائمًا".(عدد 38). لقد رأى التلاميذ في موقف الرب يسوع مثالاً لشخص لا تُؤَثّر الظروف فيه، فبالرُّغم من العاصفة الشديدة، والمياه التي تضرب السفينة من كل جانب، بل ودخلت إلى قلب السفينة وبَلَّلت الوسادة التي كان يسوع نائمًا عليها، لكننا نراه نائمًا نومًا عميقًا. وهذه صورة مُعبرة أعظم تعبير عن السلام الذي نختبره عندما نكون في مشيئة الرب، حتى ولو عصفت الرياح، ودخلت المياه سفينة حياتنا، إلا أن الرب يعطي أحباءه أن يرتاحوا على وسادة من وعوده المطمئنة، ويدركوا أنه ما دام صاحب السلطان معهم، فلا يمكن أن يغرقوا. ليُعطنا الرب هذا السلام، حتى نهدأ ونرتاح مهما كانت ظروفنا صعبة، مهما سببت العواصف دمارًا وحطامًا، فلا يمكن أن يسمح الرب أن تستمر ظروف صعبة فوق طاقتنا، وهو المُمسك بالدّفة بكُل إحكام! نستطيع أن نغفو وننام بكل ثقة وهدوء ما دام هو معنا، لأنه يُعطي أحباءه نومًا (مزمور 2:127)، ويمنح سلامًا (بسلامة أضطجع بل أيضًا أنام- مزمور 8:4).
في النهاية نرى كيف تَحَوّل خوف التلاميذ إلى مخافة مُقدسة، وذالك نتيجة لما عاينوه واختبروه من عظمة الرب وسلطانه، فشَهدوا وقالوا: "من هو هذا؟ فإن الريح أيضًا والبَحر يُطيعانه!". وهكذا فإن الرب قادر أن يُبدل كل خوفٍ في حياتكَ بمخافة سماوية مقدسة، وبرهبة نتيجة لعمل الرب العظيم في ظروفك. سيُحوّل أنظارك عن العيان، وتراه يسود على كل أمواج في حياتك، آمن فقط!