(أفسس 16-11:4)

لقد تحّدّثنا في المقال السابق عن النُّضوج الروحي، ودرَسنا المرحلة الأولى منه؛ ألطُّفولة الروحية فتحدّثنا عن تعريفها ومميّزاتها وتَحَدّياتها. وفي هذا التأمُّل سنتحَدّث عن المرحلة الثانية في مسيرة نُمُوّنا الروحي وهي مرحلة الصبا الروحي. نبتدئ بالنضوج ونُوَدّع مرحلة الطفولة الروحية التي تَميّزت بحركات الأطفال وكلماتهم وطعامهم، ونتقدّم نحو مرحلة الصبا، التي تتَمَيّز ببروز الذّات.

2 كورنثوس 11:13: يقول هُنا "إكمَلوا"، فَعِندَما يَبتَدِئ الله بِتَأسيس مقاصِده في حياة الشخص، يجب أن يبلغ ذلك الشخص نكران ذاته، ليبدأ الله العمل فيه.

عندما يبدأ الولد في المشي، تكون لديه رغبة لمس كلّ شيء، كذلك المؤمن في هذه المَرحلة، يرغَب أن يُصبح كلَّ شيء؛ عازف، واعظ، كارز. وتكون لديهِ تصرفات كثيرة لها تأثير سلبي ونتائج سلبيّة، منها:
التكبر: يفكّر بذاته أكثر من غيرِه، ويَعِظ غيره ويصححهم ولا يَنظر إلى نفسه وإلى أخطائه.
التقليد: يُجَرّب كلّ شيء يراه في غيره، ويعَلّم الناس ولا يتعلم من غيره.

أمثال 17:22: (أمِل أذنك واسمع كلام الحُكَماء، وَوَجّه قلبَكَ إلى معرفتي)، يحتاج الشخص في هذه المرحلة الى عملية التّشكيل أكثر مما يحتاجه في المراحل الأخرى، فتتطوّر لدى الشخص في هذه المرحلة ميزات روحية كالصلاة والصّوم، وتلك أدلة على أن هذا الصّبي الروحي يتفاعل ويتعلم، فهو في الأرض الجَيّدة، والرّب يدعمه ويحميه في خطواته. هنا أيضًا نكتشف المسموح والممنوع، نكتشف السُّلطة وحدود ملكوت الله، وليس حدودنا فحسب. ونكتشف مقدار الحُرّية في التّصرف. كذلك، وهو الأهم، نكتشف نعمة الله الحامِية. لأن أكثر شيء يحتاجه الولد هو الحماية. والنعمة المُنَميّة في حياة الطّفولة تُصبح هنا نعمة حامِية، حيث تحمينا وتحيط بنا في كل اختبار نمر به.

إنّ الحضانة السّليمة هي تِلكَ التي يوضع فيها الطّفل ويلعب ويكون حوله غطاءً مَطّاطيًا واقيًا، لكي لا يتأذى أثناء لعبه. ويتعامل الله معنا بنفس الطريقة روحيًا، حيثُ يبني حولنا غطاءً واقيًا حتّى إذا دخلنا في مشكلة، لا تُبعدنا الصّدمة عن الرب ولا ننكسر.

يدرك المؤمن أيضًا في هذه المرحلة أنّ أبليس يحاربه. 1 بطرس 8:5" اصحوا واسهروا، لأن ابليس خصمكم كَأسدٍ زائرٍ يجول ملتمسًا من يبتلِعهُ هوَ". وهنا ينبغي أن تكون المعركة مركّزة على قيادة المسيح في حياة المؤمن. فهل يُسّلم المؤمنُ المسيحَ قيادة حياته، أم يقود نفسه بنفسه؟ وهذا هو الصراع الأول الذي فيه يواجه المؤمن إبليس ويُسمى الأنانِيّة، حيثُ تحارب نفس الإنسان روح الرب، ويظن المؤمن أنّهُ "الكل في الكل"، ويحاول السّيطرة على الأجواء، فمجرد أن تعطى له فرصة الكلام أو العمل؛ يمسك زمام الأمور في الجلسة ويعتبرها ملكًا له، فهو مُعجَب ومُحِب لِنفسِه. وقد تظهر محبّتُه وتركيزه على ذاته بوجه آخر، فيكون خجولًا وساكتًا ليجذب الانتباه.

إنّ حل هذه المشكلة هو صلب الذات وذلك يحسم الأمر، كما قال بولس في رسالته إلى غلاطية: "مع المسيح صلبتُ، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فِيّ" (غلاطية 20:2).
الصّراع الثاني الذي يواجهه المؤمن هو المحاولة الشديدة أن يكون صالحًا: فهو يحاول بقواه الخاصة، دون المسيح، أن يكون صالحًا، وذلك يُؤدي تاليًا إلى فقدان الفرح من حياته. فينبغي أن تكون صلاة هذا الشخص:" يا رب بدونك لا أستطيع أن أعمل شيئًا". ولا يحتاج أن يصلب ذاته فحسب، بل أن يصلب أيضًا مجهوده الشخصي، لأنّه إن استمر في الجهاد فسرعان ما سيصاب بالاكتئاب لأنّه لن يرى نتائج إيجابية لجهاده، بل سيفقد قوتّه وفرحه.

الصراع الثالث الذي يواجهه المؤمن هو قِلّة الإنضباط: إنّ عدم الإنضباط يُسَبّب الفوضى الروحِيّة، وإذا استمر المؤمن بالعيش بلا انضباط، فسيضطر الرب أن يؤدبه. وهذه هي طبيعة تعاملات الله مع البشر، فهو يُدخلنا في اختبارات حتى يوَلّد فينا الحساسيّة لإرشاد روحه القُدّوس، فهل نختار أن نكون تحت نير المسيح، أم نختار أن نفقد خِطّة الرّب لحياتنا؟