قمت قبل ايام بزيارتي الصيفية لبلدي الثاني الاردن. فالاردن هو بلد زوجي وابنتي، واصبحت أعرف من عاداتهم وطريقة عيشهم ما يكفي لأعتبر نفسي اكثر من نصف أردنية. ففي زيارتي الاخيرة، لفت نظري اكثر من اي مرة ثانية بعض الملاحظات التي جعلتني أفكر بشباب وضع اهلهم جل اهتمامهم بهم ليتقدموا في حياتهم ويحصلوا على فرص اكبر مما حصلوا هم عليها.

ففي صباح يوم السبت الأخير، استيقظت صباحًا على صوت اطلاق نار والعاب نارية، لأفهم على الفور ان بعضًا من أبناء جيراننا في الاردن قد نجح في امتحانات التوجيهي ( الامتحانات النهائية للمدرسة الثانوية
). فاعلان نتائج التوجيهي في الاردن هو موحد وفي نفس الوقت، وحين تعلن النتائج كل البيوت الاردنية تنتظر النتائج، لأن في عائلتها، جيرانها و معارفها من ينتظر النتائج، فالكل ينتظر، فنجاح أو فشل الفرد، هو أمر يهم الجميع في مجتمع كمجتمعنا العربي، فأمرك هو امر الجميع... فالسنة الماضية مثلا،ً كنت واحدة من بين الذين انتظروا بكل فارغ صبر نتائج باسم، احد افراد عائلتي، لنفرح معه ونحن نسكن على بعد أميال بنفس فرحة أهل بيتنا في الاردن ( لم نطلق العيارات النارية، ولكننا اطلقنا فرحة في قلوبنا).

بعد تلك السنوات فهمت أمرًا، بأن النجاح هو ما يهم، و المعدل أقل اهمية. لأن قبول الطلاب بالجامعات، ينطوي على امرين، معدلك، وكم من المال يستطيع اهلك أن يدفعوا مقابل تعليمك. فيمكنك ان تحصل على علامة دنيا للقبول في تخصص معين، وتدفع أكثر بكثير من ذلك الذي حصل على علامة أعلى بكثير، لتصبح زميلاً له في الدراسة في نفسي التخصص ( وهذا ما يسمى بالتعليم الموازي)، رغم أن معدله أعلى بكثير منك ولكنه يدفع أقل منك. فإما ان يكون معدلك عال جدًا لتدرس بدفع قسط معقول او تستطيع تأمين المال الكثير لتتعلم بمعدلك الذي لا بأس به.
في زيارة لصديق آخر، ذي منصب عال، اعلمنا انه يدفع ما يعادل ال 4000 دينار سنويًا، لتعليم ابنته في المدرسة في برنامج خاص لتحصل على شهادة انهاء اوروبية. لماذا؟ لأنه يريد لها مستقبل زاهر..

إستنتاجي هو ان الاهل على اتم الاستعداد بدفع مبالغ طائلة في تعليم ابنائهم، حتى لو لم يقدم الطالب في امتحاناته ما كان متوقع منه، أي أن الامر غير مشروط بانجازات او جدية الابن أو البنت، لماذا؟ لأن للوالدين هدف في تقديم كل ما يستطيعون، لضمان مستقبل افضل لأولادهم في حصول على شهادات جامعية تقدم لهم فرص أكبر في الحياة.

وهذا ايضًا ينطبق على العائلات في كل مكان، رغم أن ليس كل العائلات ميسورة الحال، لكنها تضع مستقبل اولادها في اول سلم أولوياتها.. فكم من طالب مثلاً خرج ليدرس خارج بلاده رغم المصاريف الباهظة، فقط لأن الاهل يطمحون الى تأمين فرص أفضل لأولادهم لمواجهة هذه الحياة.

سؤالي أوجهه لشبابنا ماذا نقدم في المقابل لنخدم عائلاتنا، مجتمعاتنا وبلادنا؟ هل ننهي تعليمنا ونفتح بيوتًا، تاركين من تعب وسهر لنصل الى ما نحن عليه دون أن نقدم القليل مما قدموه لنا؟ هل نستهتر بآراءهم وأقوالهم، ونخجل بهم بين الناس، لأنهم ليسوا بحسب الموضة؟ ماذا نقدم بالمقابل، رغم أنهم لا ينتظرون مقابل، لمن تعب ليلاً ونهارًا، علمنا وأحيانًا كثيرة من اعوازهم قدموا؟ هل نكرمهم باحترام وتقدير لما قدموه، ولا نخذل الثقة التي اعطوها لنا، ونكمل ما بدأوا من تعليم صالح؟

لقد اوصى الرب باكرام الوالدين من غير شرط.. اي حتى لو أخطأوا بحقنا، او لو اختلفنا معهم بأراءنا. فحب رب الكون لنا لم يكن مشروطًا فرغم خطيتنا ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا، هذا منطق الهنا.
لنقدر نعمة العائلة التي هي خطة الله للفرد منذ البدء ونكرم ذوينا، ومجتمعنا وبلدنا، شاكرين الله على تلك الفرص التي منحنا اياها من خلالهم.

لقد قرأت مقطعًا اود مشاركتكم به:

يقول الأبن :"
وأنا عمري 4 أعوام : أبي هو الأفضل
وأنا عمري 6 أعوام : أبي يعرف كل الناس
وأنا عمري 10 أعوام : أبي ممتاز ولكن خلقه ضيق
وأنا عمري 12عاما : أبي كان لطيفا عندما كنت صغيرًا
وأنا عمري 14 عاما : أبي بدأ يكون حساسًا جًدا
وأنا عمري 16 عاما : أبي لا يمكن أن يتماشى مع العصر الحالي
وأنا عمري 18 عاما : أبي ومع مرور كل يوم يبدو كأنه أكثر حدة
وأنا عمري 20 عاما : من الصعب جدًا أن أسامح أبي ، أستغرب كيف استطاعت أمي أن تتحمله
وأنا عمري 25 عاما : أبي يعترض على كل موضوع
وأنا عمري 30 عاما : من الصعب جدا أن أتفق مع أبى ، هل ياترى تعب جدى من أبي عندما كان شابا
وأنا عمري 40 عاما: أبي رباني في هذه الحياة مع كثير من الضوابط، ولابد أن أفعل نفس الشيء
وأنا عمري 45 عاما : أنا محتار ، كيف أستطاع أبي أن يربينا جميعا
وأنا عمري 50 عاما: من الصعب التحكم في أطفالي، كم تكبد أبي من عناء لأجل أن يربينا ويحافظ علينا
وأنا عمري 55 عاما: أبي كان ذا نظرة بعيدة وخطط لعدة أشياء لنا ، أبي كان مميزا ولطيفا.
وأنا عمري 60 عاما: أبي هو الأفضل

هل فعلاً نحتاج ل 56 عامًا لنستنتج أن والدنا هو الافضل كما كنا نظن عندما كنا في الرابعة؟