في المقالة السابقة تأملنا بشخص ربنا ومخلصنا يسوع المسيح له كل المجد، وصفاته المباركة التي لا يمكن لأي شخص عادي ان يحملها في كيانه، طبعًا ليس لنا ان نكتب عنه كل شيء، ولا حتى ان نفهم وندرك كل شيء، فهذا فقط من قدرة الروح القدس، الذي يُعلن ابن الله لكل من يطلب بقلب صادق الحق الالهي، وللكنيسة التي تتعرف على شخصه المبارك كل ايام حياتها على الارض.

صورة ترمز لاقدام المسيح يسير على الارض

تتفق جميع الاديان، وليست كلها سماوية، بل فقط التي تعترف بان الابن (الرب يسوع المسيح) الذي هو في حضن الآب هو خبَّر، تتفق جميعها على قدرة الله العظيمة، انه الخالق، انه الديان، انه العالي، انه الجبار، القادر على كل شيء، ونحن المسيحيين نؤمن بكل ذلك، لأنه مكتوب في الكتاب المقدس، كما قال الحكيم سليمان انه فوق العالي عاليًا يلاحظ، والاعلى فوقهما.

كذلك كل من يقول انه غير مؤمن وملحد، يعرف في كيانه الداخلي وفي اعماق قلبه، انه يوجد إله، وان الله حي، وهو الخالق، على الاقل بسبب الخليقة والكون التي تحدث كلها بمجد الله.

فلماذا إذًا الالحاد؟ ولماذا الانشقاقات؟ ولماذا الاختلاف في الرأي ان كان الله واحد، والرب واحد، والروح واحد، والكتاب المقدس واحد، ومن المفروض ان يكون هناك جسد واحد للمسيح على الارض، الكنيسة الواحدة والعروس الواحدة!

كل صفات الرب الاله مجيدة ومباركة، ولكن اعتقد انه ما يُمَيِز الاله الحقيقي، الهنا الحي، الرب والمخلص هو التواضع والمحبة، وهنا سوف نتأمل بتواضع ربنا.

نقرأ في التكوين 1:27 ان الله خلق الانسان على صورته، وباركهم الله وقال لهم: أثمروا واكثروا واملأوا الارض، واخضعوها، وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الارض.

فما أعظم الله ربنا، من البدء خلق الانسان على صورته كشبهه، ومن من البشر في ايامنا هذه يقبل ان يشابهه أحد؟! بل يريد ان يكون الافضل في كل شيء، المتفوق في كل انجاز مادي او حتى روحي في خدمة السيد، نريد ان يكون عندنا أفضل وأجمل بيت، أفضل سيارة، أفضل الملابس واحدثها بالموضة! كلنا نريد ان نُبرز تفوقنا العلمي او انجازاتنا في العمل، ونُخفي ضعفاتنا وفشلنا، ولكن الله ليس هكذا، بل مجد الله اخفاء الامر (امثال 24:2) كما فعل ربنا المبارك له المجد، لم يُظهر ذاته قط، بل دائماً اعطى المجد والكرامة للآب القدوس، ولم يطلب مجد نفسه.

ولكن الله غير البشر، خلقنا على صورته ومثاله، واعطانا السلطان على الخليقة، فهو الله المتواضع الذي كان مع خليقته في جنة عدن، حتى سقط ادم وحواء في الخطيئة وفي كذب الحية اي الشيطان، الذي كان مرة ملاكًا ولكن بسبب التكبر أصبح عدو الله وعدو الكنيسة وعدو البشرية وعدو كل بر وحق، كما نقرأ في كتاب اشعياء 14:12، كيف سَقَطتِ من السماء يا زُهَرَةُ، بنت الصبح؟ كيف قُطِعتَ الى الارض يا قاهر الامم؟ وانت قلت في قلبك : اصعد الى السماوات، ارفع كُرسِيِّي فوق كواكب الله، اصير مثل العَلِيِّ.

كذلك حزقيال كتب لنا في اصحاح 27:14 هكذا:

انت الكروب المنبسط المُظَلِّل، واقمتك، على جبل الله المقدس كنت، بين حجارة النار تمشيت، انت كامل في طرقك من يوم خُلِقت حتى وُجد فيك اثمٌ، فاطرحك من جبل الله وابيدك ايها الكروب المظلل من بين حجارة النار، قد ارتفع قلبك لبهجتك، افسدت حكمتك لاجل بهائك، سأطرحك الى الارض واجعلك امام الملوك لينظروا اليك، قد نجست مقادسك بكثرة آثامك.

ويتابع حزقيال في 31:10 قائلاً:

لذلك هكذا قال السيد الرب: من اجل أنك ارتَفَعَت قامتك، وقد جعل فرعه بين الغيوم، وارفع قلبه بعلوه، اسلمته الى يد قَوَيِّ الامم، ليفعل به فعلاً، لشره طردته.

كذلك نقرأ عن الملك عزيا في اخبار الايام الثاني 26:4 انه عمل المستقيم في عيني الرب، وكان يطلب الرب في ايام زكريا الفاهم بمناظر الله، في ايام طلبه الرب انجحه الله. ولكن نقرأ في نفس الاصحاح 26:16 انه لما تشدد ارتفع قلبه الى الهلاك وخان الرب إلهه.

وكما قال ربنا يسوع، رأيتُ الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء، انه الكبرياء الذي أسقط ذلك الملاك الذي كان في محضر الله، لكنه تكبر وارتفع قلبه واراد ان يتعالى فوق العلي!!! وهذا وللأسف الشديد ما نراه في ايامنا هذه، انكار الله وسموه وعظمته، وعدم الطاعة والخضوع لشخصه المبارك، الله يحبنا على الاقل كخليقته، فكم بالحري كأولاده؟ ولماذا التكبر وعدم الطاعة والخضوع لمن احبنا، ومع ابنه الحبيب يسوع اعطانا كل شيء، فكيف لنا بعد ان نتكبر؟ كأننا بمجهودنا وقدرتنا نملك ما لنا، وكانه ببر فينا نلنا الايمان الاقدس، الخلاص والحياة الابدية؟ وهل نحن اولاد لله بفضل منا؟ وهل نحن خدام للمسيح والكلمة والانجيل بكفاءتنا؟ كل الفضل والشكر والمجد له وحده، لأنه هو ابتدأ عمله المبارك في حياة كل واحد منا وسوف يتمم، ان لم نعاند، ولم نتكبر، لأنه احبائي قبل الكسر يتكبر قلب الانسان، وقبل السقوط تشامخ الروح، وقبل الكرامة التواضع. وكما اوصانا السيد ان كل من يرفع نفسه يتضع، ومن يضع نفسه يرتفع.

دعونا نتعلم من الهنا الحي، مع انه جبار وعظيم والعالي وحده، لكنه كان مع خليقته في جنة عدن، وبعد ان اخطأوا (بل اخطأنا جميعنا) اليه، بادر هو بالصلح، بادر هو بالحل وتنازل عن حقه مع كونه الاله ونحن من اخطأنا، فهل إذا أخطأ أحد في حقنا، وحتى لو كان كل الحق معنا، هل نتواضع ونبادر نحن الصلح والتفاهم، مع اخوتنا في الكنيسة مثلاً، او مع اقربائنا وزملائنا في اماكن العمل، وان لم اتفق بشكل مطلق مع أحد اخوتي في الرأي الروحي والتعليم، هل اتواضع واقبله كما هو، كما قبله المسيح الذي مات على الصليب من اجله ايضًا؟ هل اقبل خدام الرب، كل خدام الرب، حتى لو خالفوني " قليلاً " الرأي، او اشعر اني اكثر حكمة ومعرفة منهم في الامور الروحية، حتى لو كان صحيحاً ما نقول، هل هذا سبب ان اتكبر في معرفتي للكتب؟ 

الم يعلمنا الكتاب ان الحرف يقتل، ولكن الروح يحيي؟ 

وان العلم ينفخ، ولكن المحبة تبني؟ وان كان أحد يظن انه يعرف شيئاً، فانه لم يعرف شيئًا بعد كما يجب ان يعرف؟ (كورنثوس الاولى 8:1).

اخوتي واحبائي، ان فقدنا روح الوداعة والتواضع، فقد فقدنا كل شيء، حتى لو عرفنا كل المعرفة، ووعظنا اقوى الوعظات، وصنعنا الآيات والعجائب، وكانت كنائسنا من أكبر وأكثر الكنائس عددًا وخدمة!

لأننا بهذا نكون قد خرجنا عن الفكر الالهي، وهكذا نُجبر الله ان يقاومنا، لان الله يقاوم المتكبرين، اما المتواضعين فيعطيهم نعمة.

أَلَم يوصينا اجمعين، ربنا المبارك يسوع المسيح، من صغيرنا الى كبيرنا، من نسائنا ورجالنا، من الناضجين روحياً ومن الاقل نضوجاً، من سار مع الله ايام اشهر بل حتى سنين ان نتعلم منه وحده، وان نرفض الفكر البشري، فكر العالم، فكرنا الذاتي وكبريائنا، الم يقل لنا تعلموا مني لاني وضيع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم، ليس فقط كلام وتعاليم بل شهد ربنا الحبيب في حياته وعطائه، كان بالفعل متواضع في ميلاده، فكيف لرب السماء والارض وخالق الكون، ان يولد في مذود بسيط، حتى ليس في اورشليم مدينة الملك العظيم، بل في بيت لحم الصغرى، عاش حياة بسيطة، اكل وشرب مع الخطأ والزنى ومحتقري الشعب والكهنة، طاع وخضع للآب القدوس كل ايام حياته، قال عن نفسه دائماً انه ابن الانسان لا اكثر، وعندما سألوه هل انت المسيح ابن الله العلي، كان يجيب انتم تقولون،  لم تكن تهمه الاسماء والالقاب، بل اكتفى انه فقط ابن الانسان، مع انه ابن الله، الرب، القدوس البار، لذلك اوصانا نحن ايضاً ان لا نتمسك بالألقاب والاسماء لا البشرية ولا الروحية، لان ابانا واحد في السماء، وسيدنا ومعلمنا واحد الرب يسوع المسيح، وجميعنا اخوة!

وهو من اخذ اسقامنا ولعناتنا وخطايانا في جسده على عود الصليب، وهو القدوس البار وحده، أصبح لعنة لأجلنا اجمعين، كما هو مكتوب انه ملعون كل من علق على خشبة، فهو اصبح لعنة لأجلنا لنصير نحن برِ الله فيه.

من اروع وامجد ما قرأت في حياتي، هو ما كتبه بولس الرسول الى اهل فيلبي في الاصحاح الثاني، اهل فيلبي سمعوا وصية بولس بل وصية الله، فهل نسمع نحن ما اوصى به رسول الامم، ونحيى ونتعلم من سيرة بولس الرسول الذي قال: كونوا متمثلين بي كما انا ايضاً بالمسيح، فهو من حسب كل شيء خسارة ونفاية من اجل معرفة الرب يسوع المسيح، وهو من اوصى ان لا يكون شيء بتحزب او بِعُجب، بل بتواضع، حاسبين بعضكم البعض افضل من انفسهم. لا تنظروا كل واحد الى ما هو لنفسه، بل كل واحد الى ما هو لآخرين ايضاً.

فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع ايضًا: 

" الذي اذ كان في صورة الله، لم يحسب خُلسة ان يكون معادلاً لله، لكنه اخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائراً في شبه الناس، واذ وُجِد َ في الهيئة كانسان، وضع نفسه واطاع حتى الموت موت الصليب، لذلك رَفَّعه الله ايضاً، واعطاه اسماً فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الارض ومن تحت الارض، ويعترف كل لسان ان يسوع المسيح هو ربٌّ لمجد الله الآب ".

فهل نسير في خطى السيد، ونُخلي أنفسنا من الانا والكبرياء، ونأخذ صورة عبيد كسيدنا المبارك، ونضع نفوسنا ونطيع حتى الموت عن ذواتنا؟

لنسجد ونركع ونجثو اليوم وغدًا وكل ايام حياتنا للمسيح وحده، والسنتنا تعترف انه ربٌ لمجد الله الآب، لكي يرفعنا الله في حينه، ويجلسنا في ملكوته الى الابد، امين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا