لكل ما نقوله ونفعله في كل لحظة من حياتنا هنالك رد فعل، كرمي حجر في بركة ماء فتمتد حلقات دائرية حول مركزه وتتسع، فمن الطبيعي والمنطقي جدًا التوقع أن يكون رد الفعل جوابًا أمينًا ومناسبًا للفعل ذاته ومن نوعه كما الوضع مع الصدى. فكما أنّ الصوت في الطبيعة الجبلية وفي المسارات بين الوديان له صدى يجاوبه بنفس المضمون وبشكل أو أشكال تتناسب مع النبرة الأصلية، هكذا نتوقع في حياتنا اليومية والعملية، وبما أن كل منا يحب أن يحترمه الجميع ويكرموه فعلينا الاهتمام بأن نحترم الآخرين ونكرمهم ليكون الصدى على مستوى الرغبة والتوقعات.

صدى الحجر على المياه

علمتني الطبيعة:
الصدى عبارة عن عملية ارتداد موجات الصوت بعد صدروها من مصدرها وارتطامها بوسط لا تستطيع اختراقه، فترتد بشكل متتالي كما خرجت من المصدر، وبالتالي فإنها ستصدر ذات الصوت ولكن بعد فترة من الزمن. تنتشر هذه الظاهرة في الأماكن الجبلية بحيث أنك إذا صرخت بصوت معين في هذه المناطق سترتطم الموجات بجبل ما وترتد إليك بنفس الصوت. ولو أنك صرخت في وادٍ بين عدة جبال ستلاحظ أنّ الصوت من الممكن أن يرتد إليك أكثر من مرة بشكل متتابع لسرعة وصول الموجات لهذه الحواجز الصخرية العملاقة. (عن موقع: موضوعmawdoo3 ).

علمتني اللغة:
يفسر (معجم المعاني الجامع – على شبكة الانترنت) كلمة الصدى، كما يلي:

الصَّدَى: رَجْعُ الصَّوْتِ يَرُدُّهُ جِسْمٌ عَاكِسٌ كَالْجَبَلِ أَوِ الْمَغَارَةِ، أَوْ بَهْوِ قَصْرٍ وَاسِعِ الأَرْجَاءِ.

علمتني الرواية: 
يحكى أن أحد الحكماء خرج مع ابنه إلى خارج المدينة ليعرّفه على الطبيعة والتضاريس من حوله في هواء نقي بعيدًا عن صخب المدينة وهمومها. سلك الاثنان واديًا عميقًا تحيط به جبال شاهقة، وأثناء سيرهما، تعثر الطفل في مشيته ووقع على الأرض، فصرخ على أثر ذلك بصوتٍ مرتفع تعبيرًا عن ألمه: "آآآآه". فإذا به يسمع من أقصى الوادي من يشاطره الألم بصوتٍ مماثل: "آآآآه". سأل الطفل مصدر الصوت بنوع من الغضب: من أنت؟ فإذا الجواب يرد عليه سؤاله بنفس نبرة الغضب: "من أنت؟" فقد الطفل صوابه فصاح غاضبًا: "أنت جبان". وبنفس القوة جاء الرد: "أنت جبان". وبشدة قال الطفل: "أنا أكرهك". وكان الجواب بنفس الشدة: "أنا أكرهك". عندها تدخل الأب الحكيم وطلب من ولده أن يقول: "إني أحترمك". وكان الجواب من ذات النوع وبنفس نغمة الوقار: "إني أحترمك". تعجّب الابن مِن تغيّر لهجة المجيب، ولكن الأب أكمل المساجلة قائلاً: "كم أنت رائع!". فلم يقلّ الرد عن تلك العبارة الراقية: "كم أنت رائع!"

علّق الحكيم على الواقعة بهذه الحكمة: "أي بني: نحن نسمي هذه الظاهرة الطبيعية في عالم الفيزياء "الصدى"... لكنها في الواقع هي الحياة بعينها. إن الحياة لا تعطيك إلا بقدر ما تعطيها، ولا تحرمك إلا بمقدار ما تحرم نفسك منها، الحياة مرآة أعمالك وصدى أقوالك، إذا أردت أن يوقرك أحد فوقـّر غيرك، وإذا أردت أن يستمع إليك الناس ليفهموك فاستمع إليهم لتفهمهم أولًا، وإن أردت أن يسالموك ويحبوك فسالمهم أنت وبادرهم المحبة، إنه صدى الحياة، ستجد ما قدمت وستحصد ما زرعت.

علمتني الترنيمة: 
ترنيمة "ما أعظم الحب السني" تُجَسد مفهوم "الصدى" في الحياة الروحية والعملية، والصدى المتوقع لتجاوبنا مع محبة الرّب السامية، فقرار الترنيمة بشكل خاص يصدح بهذا الصدى قائلا:

يا من سمعتم الندا يا من أخذتم الهُدى         يا من قبلتم الفدا حُبوا كما أُحبِبتُمُ 
ردوا على الآب الصدى     أعطوا كما أُعطيتُم 

فهذه الترنيمة الرائعة المعبّرة تدعو كلّ منا ليتجاوب مع صدى المحبة الإلهية التي قدمت ذات الإبن المحبوب، الله المتجسد، حمل الله الوديع، قدمته بديلًا عنا على الصليب، ليرفع خطايانا، ولننال الحياة الأبدية بالإيمان بعمله الكفاري لأجلنا، فنرد الصدى على الصوت السماوي الذي أعلن: «هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا» (متى 17: 5)، فنجيب من أعماق القلب كما أجاب سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ، وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ» (يوحنا 6: 68 و69).

علمني الكتاب:
الإيمان المسيحي هو القبول لعمل المسيحي الخلاصي على الصليب نيابة عني أنا الخاطئ، واتباع خطواته والثقة بالرجاء المبارك، وهو صدى لتجاوب القلب التائب مع محبة الله التي تجلت في عظم مجدها وعمق أصالتها على الصليب في شخص ربنا المحبوب يسوع المسيح، فجسدت حقيقة الآية: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنا 3: 16).

لقد ترك لنا الرّب يسوع وصية جديدة فيها توقّع لصدى متناغم مع محبته السامية "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا" (يوحنا 13: 34). فتوقع السماء من أبناء الملكوت على الأرض أن تتجاوب محبتنا بعضنا لبعض مع مقياس محبته الإلهية المضحية لأجلنا، فنحب بعضنا بعضًا كما هو أحبنا. إذ أن هذه المحبة هي علامة إتباع شخص الرّب يسوع "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (يوحنا 13: 35). ويكرر الرّب يسوع ذات الوصية لأن وصاياه هي مصدر الفرح الكامل "كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ. هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ" (يوحنا 15: 11 ة 12)، ويؤكد يوحنا الحبيب أنّ "هذِهِ هِيَ وَصِيَّتُهُ: أَنْ نُؤْمِنَ بِاسْمِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا كَمَا أَعْطَانَا وَصِيَّةً" (1 يوحنا 3: 23).

الوصايا التي تركها لنا الرّب يسوع ليست من نوعية الفرائض التي عليك أن تنجزها لتحقق أمرًا ما أو أجرًا ما أو تضع إشارة "صح"، إشارة لأنك أكملت المهمة، وليست من النوع الذي تقوم به وأنت مهموم من ثقل الوصية، وليس من النوع الذي يثير فيك دوافع الكبرياء والافتخار المزيف، بل وصايا الرّب هي توجّه للروح والنفس لتعيش المسيح الذي تعرفه وتتعرف عليه أكثر وأكثر من خلال اختبارك لمحبته ونِعَمِه ومراحمه المتجددة في كل يوم، ليكون صدى جوابك كعمق رغبة الرسول بولس "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ" (فيلبي 3: 10)، وكلما ازداد عمق المعرفة كلما ازداد شوق الصدى للسعي أكثر في سبر أعماقها "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (فيلبي 3: 14 و15).

عندما نتأمل في محبة الرّب لنا تنبض قلوبنا بصدى روحي داخلي، تجاوبًا مع هذا الحب الإلهي فنعلن "نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً" (1 يوحنا 4: 19). محبتنا للرّب النابعة من محبته لنا أولًا يمتد صداها لمحبة الآخر، ليس المؤمن فقط بل كل إنسان أيَا كان، فهو أخ لنا في البشرية، والوحي يؤكد " إِنْ قَالَ أَحَدٌ: إِنِّي أُحِبُّ اللهَ، وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟ وَلَنَا هذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضًا" (1 يوحنا 4: 20و21)، وذلك "لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا" (رومية 5: 5).

صدى الحياة الروحية تؤكدها كلمة الرّب "صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ: أَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَهُ فَسَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ. إِنْ كُنَّا نَصْبِرُ فَسَنَمْلِكُ أَيْضًا مَعَهُ. إِنْ كُنَّا نُنْكِرُهُ فَهُوَ أَيْضًا سَيُنْكِرُنَا" (2 تيموثاوس2: 11 و12) ولكن أن تمّ تزييف في صدى أمانتنا فإن صدى أمانته لن يفقد لمعانه وبريقه "إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ" (2 تيموثاوس2: 13).

سفر ملاخي يبين صدى غير طبيعي بل صدى سلبي من قبل الشعب لمحبة الرّب، ويبين حقارة رد فعل الإنسان، ناكر الجميل، بل الناكر لأفضال وبركات الرّب عليه، ويظهر الإنسان مكشوفًا وعريانًا على حقيقته المُشينة في بعده عن محبة الله واستهتاره، بل واحتقاره لهذه المحبة السماوية. يسجلّ الوحي المقدس مجموعة قضايا هامة يعاتب ويوبخ الرّب شعبه من خلال إعلانها، ويبدأ بأهم قضية على الاطلاق وهي قضية المحبة، ففي بداية سفر ملاخي يبدأ الوحي بالقول "أَحْبَبْتُكُمْ، قَالَ الرَّبُّ" (ملاخي 1: 2أ)، ونجد الرّد الجاحد مباشرة يؤكد وقاحة الجبلة البشرية أمام جابلها وصانعها "وَقُلْتُمْ: بِمَ أَحْبَبْتَنَا؟" (ملاخي 1: 2ب). ويستمر عتاب المحبة بقضيتي الكرامة والقداسة "الابْنُ يُكْرِمُ أَبَاهُ، وَالْعَبْدُ يُكْرِمُ سَيِّدَهُ. فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَبًا، فَأَيْنَ كَرَامَتِي؟ وَإِنْ كُنْتُ سَيِّدًا، فَأَيْنَ هَيْبَتِي؟ قَالَ لَكُمْ رَبُّ الْجُنُودِ. أَيُّهَا الْكَهَنَةُ الْمُحْتَقِرُونَ اسْمِي. وَتَقُولُونَ: بِمَ احْتَقَرْنَا اسْمَكَ؟ تُقَرِّبُونَ خُبْزًا نَجِسًا عَلَى مَذْبَحِي. وَتَقُولُونَ: بِمَ نَجَّسْنَاكَ؟ بِقَوْلِكُمْ: إِنَّ مَائِدَةَ الرَّبِّ مُحْتَقَرَةٌ" (ملاخي 1: 6 و7). ويطالب الرّب شعبه بالتوبة الحقيقية فنسمع نبض القلب القاسي "مِنْ أَيَّامِ آبَائِكُمْ حِدْتُمْ عَنْ فَرَائِضِي وَلَمْ تَحْفَظُوهَا. ارْجِعُوا إِلَيَّ أَرْجعْ إِلَيْكُمْ، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. فَقُلْتُمْ: بِمَاذَا نَرْجعُ؟ أَيَسْلُبُ الإِنْسَانُ اللهَ؟ فَإِنَّكُمْ سَلَبْتُمُونِي. فَقُلْتُمْ: بِمَ سَلَبْنَاكَ؟ فِي الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَةِ. قَدْ لُعِنْتُمْ لَعْنًا وَإِيَّايَ أَنْتُمْ سَالِبُونَ، هذِهِ الأُمَّةُ كُلُّهَا" (ملاخي 3: 7-9)، ومن ثمَّ يعاتبهم على أقوالهم الهوجاء والمنفرة "أَقْوَالُكُمُ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ، قَالَ الرَّبُّ. وَقُلْتُمْ: مَاذَا قُلْنَا عَلَيْكَ؟ قُلْتُمْ: عِبَادَةُ اللهِ بَاطِلَةٌ، وَمَا الْمَنْفَعَةُ مِنْ أَنَّنَا حَفِظْنَا شَعَائِرَهُ، وَأَنَّنَا سَلَكْنَا بِالْحُزْنِ قُدَّامَ رَبِّ الْجُنُودِ؟" (ملاخي 3: 13 و14).

الرّب يؤكد أنه سياتي الوقت ويكون صدى تعامله مناسبًا لموقف وتعامل الإنسان معه، سيكون رده على الأشرار بما يتلائم مع جزاء شرهم "فَهُوَذَا يَأْتِي الْيَوْمُ الْمُتَّقِدُ كَالتَّنُّورِ، وَكُلُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَكُلُّ فَاعِلِي الشَّرِّ يَكُونُونَ قَشًّا، وَيُحْرِقُهُمُ الْيَوْمُ الآتِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، فَلاَ يُبْقِي لَهُمْ أَصْلاً وَلاَ فَرْعًا" (ملاخي 4: 1). 

وسيفرح جميع شعب الرّب الذين يحبونه من كل القلب وينتظرون مجد مجيئه المبارك إذ أن الرّب سيظهر علنًا صدى تجاوبه مع محبتهم وتقواهم ليعلن إكرامه وبركاته لهم "وَلَكُمْ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ اسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا، فَتَخْرُجُونَ وَتَنْشَأُونَ كَعُجُولِ الصِّيرَةِ" (ملاخي 4: 2).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا