إن القراءة السريعة لسيرة القائد باراق، تعطي القارئ انطباعًا أنه شخص قليل الإيمان. لأنه عندما طلبت ‏منه دبورة أن يذهب لملاقات يابين ملك كنعان ورئيس جيشه سيسرا؛ رفض الذهاب وحده، إلا إذا ذهبت ‏معه دبورة:

‏"4 وَدَبُورَةُ امْرَأَةٌ نَبِيَّةٌ زَوْجَةُ لَفِيدُوتَ، هِيَ قَاضِيَةُ إِسْرَائِيلَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ.... 6 فَأَرْسَلَتْ وَدَعَتْ بَارَاقَ بْنَ ‏أَبِينُوعَمَ مِنْ قَادَشِ نَفْتَالِي، وَقَالَتْ لَهُ: أَلَمْ يَأْمُرِ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: اِذْهَبْ وَازْحَفْ إِلَى جَبَلِ تَابُورَ، وَخُذْ مَعَكَ ‏عَشْرَةَ آلاَفِ رَجُل مِنْ بَنِي نَفْتَالِي وَمِنْ بَنِي زَبُولُونَ، 7 فَأَجْذُبَ إِلَيْكَ، إِلَى نَهْرِ قِيشُونَ سِيسَرَا رَئِيسَ جَيْشِ ‏يَابِينَ بِمَرْكَبَاتِهِ وَجُمْهُورِهِ وَأَدْفَعَهُ لِيَدِكَ؟ 8 فَقَالَ لَهَا بَارَاقُ: إِنْ ذَهَبْتِ مَعِي أَذْهَبْ، وَإِنْ لَمْ تَذْهَبِي مَعِي فَلاَ ‏أَذْهَبُ‎.‎‏" قضاة 4.‏
لكن في الوقت نفسه كتاب العهد الجديد يعظم جدًا إيمان باراق، ويضعه في أصحاح الإيمان في عبرانيين ‏‏11، ويضمه مع نفس الفئة من الأنبياء العمالقة:
‏"32 وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضًا؟ لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي الْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيَفْتَاحَ، وَدَاوُدَ، ‏وَصَمُوئِيلَ، وَالأَنْبِيَاءِ، 33 الَّذِينَ بِالإِيمَانِ: قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ،"‏
فتُرى ما هو الشيء المميَّز في إيمان باراق الذي يجعل الوحي يضعه مع الأنبياء والملوك العظام، أمثال ‏دانيال وداود وصموئيل وغيرهم؟؟؟

وحدة الايمان

قبل أن نجيب على السؤال وبناء على الصورة التي رسمها العهد الجديد لباراق، سنستبعد احتمال أن باراق ‏رفض الذهاب بدون دبورة بسبب عدم الإيمان، ونبحث عن أسباب أخرى لطلبه هذا؛ فنرى تميُّز إيمان باراق ‏فيما يلي:

‏1- إيمان يدعو للوحدة:‏

إن أعظم مزية تميز إيمان باراق هي أنه يؤمن بدعوة الله؛ لكن يؤمن أيضًا بأنه يجب أن يتبع طرق الله في ‏تحقيق دعوته، وهي طريق الوحدة بين صفوف شعب الرب. فرفضه للخروج لوحده كان سببه التوحد مع ‏دبورة في هذا العمل العظيم. فأحيانًا ننحصر في خدماتنا تحت شعار "تحقيق دعوة الله"، ونفقد قصد الله من ‏وراء الدعوة، وهي وحدة الكنيسة أي جسد المسيح؛ كما صلى المسيح وقال:
‏"22 وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ‎.‎‏" يوحنا 17.‏
نرى هذا من كلمة "ليكونوا" أي الهدف هو ليكونوا متوحدين؛ فلا نفع من تحقيق العمل، مع ضياع وفقدان ‏الهدف والقصد من وراء الدعوة والعمل!!!‏

‏2- إيمان يتنازل عن المجد الذاتي:‏

عادة لا يحب الإنسان بالجسد أن يشرك خدام آخرين في الخدمة معه، لكي ينال المجد لوحده دون أي ‏شريك معه! لأنه يطلب مجد ذاته. فنرى هنا دبورة تمتحن باراق، بأنه سيفقد المجد والافتخار لذاته، إذا ‏اختار طريق الوحدة، حيث قالت له:
‏"9 فَقَالَتْ: «إِنِّي أَذْهَبُ مَعَكَ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ لَكَ فَخْرٌ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي أَنْتَ سَائِرٌ فِيهَا. لأَنَّ الرَّبَّ يَبِيعُ ‏سِيسَرَا بِيَدِ امْرَأَةٍ». فَقَامَتْ دَبُورَةُ وَذَهَبَتْ مَعَ بَارَاقَ إِلَى قَادَشَ‎.‎‏" قضاة 4.
فباراق لم يهتم بطلب الفخر لذاته ولا يهمه مجد ذاته، بل كان كل همه انتصار ومجد إله إسرائيل. نعم ‏أخي الخادم العزيز، عندما تطلب أن تتوحد في العمل مع خدام آخرين، سوف تفقد الافتخار الذاتي. لست ‏أنكر أن الإنجاز الشخصي في الخدمة له لذة كبيرة كإنسان؛ فكل إنسان عنده طموح بشري، ويحب أن ‏يقول الناس "فلان عمل" و "فلان حقق كذا وكذا"!! لكن هل أنت مستعد أن تتنازل عن فخرك وإنجازك ‏وتكتفي بأن يقول العالم، "مجدًا للرب على أمانته وعظمته". لكن تأكد أن أبوك السماوي الذي يرى في ‏الخفاء صدقني سيجازيك علانية؛ وعندها سيكرمك أمام الجميع في وقته. لأن طريق الكرامة الحقيقية في ‏عيون الرب هي إنكار الذات واختيار إكرام الرب؛ بعدها يعطيك الرب كرامة علانية إذا أراد:
‏"33 مَخَافَةُ الرَّبِّ أَدَبُ حِكْمَةٍ، وَقَبْلَ الْكَرَامَةِ التَّوَاضُعُ" أمثال 15.‏
فلا تستعجل أخي الخادم لنيل الوعد الإلهي، لأن الاستعجال يجعلك تفقد البركة. توجد في سفر الأمثال آية ‏عميقة للذين يريدون نيل النجاح بسرعة دون انتظار الرب وطرقه:
‏"21 رُبَّ مُلْكٍ مُعَجِّل فِي أَوَّلِهِ، أَمَّا آخِرَتُهُ فَلاَ تُبَارَكُ" أمثال 20.‏
لذلك قال الرب:
‏"6 فَتَوَاضَعُوا تَحْتَ يَدِ اللهِ الْقَوِيَّةِ لِكَيْ يَرْفَعَكُمْ فِي حِينِهِ" 1 بطرس 5.‏
لقد رأيت في حياتي الروحية العشرات من الخدام المباركين الذي استعجلوا في نيل وعود الله لذلك استعجلوا ‏في المطالبة في مراكز في الكنائس والخدمات؛ وعندما لم ينالوا ما يطلبونه، تركوا أو انفصلوا. وفي النهاية ‏فقدوا الدعوة والبركة، حتى بعضهم ابتعد عن الرب!! فالذي يحفز المؤمن عادة للاستعجال في نيل وعود ‏الله، هو طموحه البشري في نيل النجاح والإنجاز الشخصي؛ الذي عادة يكون من الصعب عليه أن يطرحه ‏جانبًا وينكر نفسه، لينحصر في تمجيد الرب وحده دون أي شريك، كما اختار باراق. فهل ستستطيع أن ‏تتوحد أخي المؤمن بنفس الروح، مع كل المؤمنين والملائكة في السماء في نشيدهم؟؟ الذي يعطي كل ‏المجد للرب وحده، وتقول:
‏"12... مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْخَروُفُ الْمَذْبُوحُ (أي المسيح) أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ ‏وَالْبَرَكَةَ‎!‎‏" رؤيا 5.‏

‏3- إيمان يعكس طاعة كاملة:‏

بعدما اختار باراق عمل الرب متوحدا مع القاضية النبية دبورة، عمل تمامًا كما أمره الرب على فمها:
‏"10 وَدَعَا بَارَاقُ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيَ إِلَى قَادَشَ، وَصَعِدَ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلاَفِ رَجُل. وَصَعِدَتْ دَبُورَةُ مَعَه....14 ‏فَقَالَتْ دَبُورَةُ لِبَارَاقَ: «قُمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي دَفَعَ فِيهِ الرَّبُّ سِيسَرَا لِيَدِكَ. أَلَمْ يَخْرُجِ الرَّبُّ قُدَّامَكَ؟» فَنَزَلَ ‏بَارَاقُ مِنْ جَبَلِ تَابُورَ وَوَرَاءَهُ عَشْرَةُ آلاَفِ رَجُل‎.‎‏" قضاة 4.
فلم نراه مثلا يدعو باقي الأسباط، أو أخذ عدد أكبر من الرجال للحرب!! فعندما نتكلم عن إيمان يدعو ‏للوحدة، هذا لا يعني أن يتوحد المؤمن مع جميع المؤمنين؛ بل هناك مشيئة أيضًا لسير الخدمة يجب أن ‏نطيع الله فيها. ونسأل الرب: مع من يريدنا الرب أن نتوحد في العمل؟ الكيفية؟ التوقيت؟ .... وهذا ما ‏فعله باراق المبارك.‏

‏4- إيمان يرى النجاح والانصار للرب وليس له:

كانت النتيجة الحتمية للعمل، أن الرب هو الذي تحرك وحارب عن بني إسرائيل في الحرب:
‏"15 فَأَزْعَجَ الرَّبُّ سِيسَرَا وَكُلَّ الْمَرْكَبَاتِ وَكُلَّ الْجَيْشِ بِحَدِّ السَّيْفِ أَمَامَ بَارَاقَ. فَنَزَلَ سِيسَرَا عَنِ الْمَرْكَبَةِ ‏وَهَرَبَ عَلَى رِجْلَيْهِ‎.‎‏ 16 وَتَبعَ بَارَاقُ الْمَرْكَبَاتِ وَالْجَيْشَ إِلَى حَرُوشَةِ الأُمَمِ‎. ‎وَسَقَطَ كُلُّ جَيْشِ سِيسَرَا بِحَدِّ ‏السَّيْفِ. لَمْ يَبْقَ وَلاَ وَاحِدٌ‎.‎‏" قضاة 4.‏
كما وعد الرب في موضع آخر وقال:
‏"4 لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ سَائِرٌ مَعَكُمْ لِكَيْ يُحَارِبَ عَنْكُمْ أَعْدَاءَكُمْ لِيُخَلِّصَكُمْ" تثنية 20. ‏
وهذا يجعل الخدمة قوية ومؤثرة وغير متعبة؛ وهي حقيقة فريدة نختبرها فقط عندما نخدم بروح الوحدة ‏والمشيئة؛ التي ثمنها هو إذابة الطموح الذاتي وطلب مجد الله الحقيقي. لذلك ترنمت دبورة وباراق متوحدين ‏معًا، وقالا:‏
‏"‏‎1 ‎‏ فَتَرَنَّمَتْ دَبُورَةُ وَبَارَاقُ بْنُ أَبِينُوعَمَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَائِلَيْنِ: 2 لأجل استعداد بني إسرائيل للمعركة وتطَوَّع ‏الشعب للذهاب إلى الحرب، احمدوا الرب" قضاة 5.
فعندما نقرأ النشيد، نجد أن كلا دبورة وباراق حتى أعطيا معظم الامتياز والمدح لجميع من اشترك في ‏العمل؛ سبط زبولون ونفتالي، وياعيل زوجة حابر القينيِّ: "24 ‏‎24‎‏ تُبَارَكُ عَلَى النِّسَاءِ يَاعِيلُ امْرَأَةُ حَابِرَ ‏الْقِينِيِّ. عَلَى النِّسَاءِ فِي الْخِيَامِ تُبَارَكُ" قضاة 5؛ فلا نجد أي امتياز خاص لباراق ولدبورة في النشيد!! هكذا ‏قد تكون النتيجة التي ستواجهها يا أخي الخادم عندما تختار أن تشرك الآخرين في العمل وتذيب طموحك ‏ونجاحك وإنجازل الشخصي؛ فهل أنت مستعد لهذا؟؟؟

أصلي أن يكون شعار هذا العام، شعار الوحدة في صفوف كل المؤمنين في الأراضي المقدسة وكل الوطن ‏العربي.‏

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا