ماشي معك... بتوقيتي!​​

جاءت أمٌّ مُحبّة، تريد ككل الأمهات أن تضمن مستقبل أولادها وقالت للمسيح: قل أن يجلس ابناي هذان واحد عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك (انجيل متى 20: 21). ربما كانت تحلم بالاستقرار المادّي والمركز الاجتماعي المضمون؟ إنها انسانة تتمنّى أن تتحوّل إلى أم الأمراء ولسان حالها: آه متى يتحول الحلم الى حقيقة؟

لكن كنت أرجو أن أسألكما يا يعقوب ويوحنا ابني زبدي، يا تلميذي ورفيقي المعلم، من هو صاحب فكرة هذه المبادرة؟ لمَ اختبأتما وراء أمّكما؟

بكلماتها المذكورة، كانت أم رفيقيهم سبب عثرة وإزعاج للرسل العشرة الآخرين الذين اغتاظوا من محاولتها لانتزاع مكانة خاصة لولديها قبل الوقت وعلى حسابهم، لكن غيظهم واستيائهم الواضحين كان من الأخوين وكأنهم عرفوا الدافع الحقيقي لأقوال أّمهما.

قد تقول: لقد دعاهما المسيح ابني الرعد فلربما أرعدا بكلمات متسرّعة، كما قالا مرة لسيّدهما عن السامريين: يا رب، أتريد ان نقول أن تنزل نار من السماء فتفنيهم كما فعل ايليا أيضا؟ (انجيل مرقس 3: 17، انجيل لوقا 9: 54).

لكن وللأسف، لم يكن العشرة أفضل منهم أو أرقى في تفكيرهم، ورأى الرب أن قلوبهم جميعًا كانت مشتاقة للسيادة والسلطة، فكانوا محتاجين لكلمة تخترق قلوبهم: من أراد أن يكون فيكم عظيمًا فليكن لكم خادمًا، ومن أراد ان يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبدًا.

منهم من لم يكن يستطيع الانتظار لملكوتٍ موعود لا يؤمن به أصلاً، فكان يسرق صندوق التبرعات طالما هو في عهدته، فالمال الموجود هو "عصفور باليد" أطبق عليه يهوذا الاسخريوطي الذي رأى نفسه وزيرًا للمالية قبل أن يأتي ذلك الملكوت. كان لسان يهوذا ينبّر على مساعدة الفقراء، لكن كل فكره كان في السرقة أكثر وأكثر... وسريعًا صار السارق خائنًا ثمّ نادمًا (دون توبة) فقتل نفسه وذهب الى مكانه.

أيضًا كان هناك آخرون ممّن أرادوا الملكوت بتوقيتهم وكان موقفهم مزعجًا، فعندما قال يسوع: ينبغي أن أذهب الى اورشليم (انجيل متى 16: 21 ) ورغم أنهم لم يفهموا من ذلك شيئا وكان هذا الأمر مخفىً عنهم ولم يعلموا ما قيل (انجيل لوقا 18: 34)، لم يعجبهم ذلك فمنهم من حزن أو ربما عاتب أو كبطرس الذي انفرد به وابتدأ ينتهره قائلا: حاشاك يا رب! لا يكون لك هذا! (انجيل متى 16: 22 ، 17: 23). كأني بهم يقولون لسيّدهم: هذا لا يوافق حساباتنا، نحن نريد الملكوت الآن لنعوّض به سنوات الحرمان والفقر التي قضيناها نحلم بأن نتخلّص من الرومان ونكون نحن السادة بلا منازع... لا تحرمنا هذا!!

من الناحية الأخرى- ويا للسخرية- فأن لسان كل واحد منهم كان سبّاقًا في الكلام والوعود باتّباع الرب في أحلك الظروف، فيعقوب ويوحنا قالا دون تردّد أنهما يستطيعان أن يشربا الكأس التي سيشربها السيّد، وبطرس قال: ولو اضطررت أن اموت معك، لا أنكرك (انجيل مرقس 14: 31). ألم تسمع معلّمك يا بطرس عندما قال: من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضًا قدام أبي الذي في السماوات (انجيل متى 10: 33)، لكن الرب طلب لأجلك لكي لا يفنى ايمانك وأعطاك الفرصة للرجوع الحقيقي اليه.

في الساعة الحاسمة هرب من هرب وأنكر من أنكر... وخان من خان، لكن العجيب هو رب المجد الذي أحبّ كلّ هؤلاء وعرف أفكارهم، لكنه في كل مسيرته معهم لم يهدّد ولم يستهزئ، لم يقبّح ولا عيّر أحدًا منهم. أذكر أن يسوع في آخر كلماته ليهوذا وهو آتٍ ليسلمه الى اليهود خاطبه بعبارة "يا صاحب"، وأن الثلاثة المذكورين آنفًا بطرس، يعقوب ويوحنا كانوا الثلاثية المقرّبة من المسيح في خدمته على الأرض. كان طويل الروح محتملاً ضعفاتهم وحتى غباوتهم وكثيرًا ما كان يجيبهم بتساؤل هدفه التبكيت والتوجيه، البناء والتشجيع الذي لا يمكن أن نسمعه من آخر.

إنه ذات الشخص الذي يحبّك ويوجّهك بكل أناة لتصحّح أولوياتك، بل ويعطيك- في ابتعادك- الفرصة تلو الأخرى لترجع اليه. انه إله الفرص، لكن سر معه بتوقيته وبلا شروط وتيقّن أنك دائمًا ستبقى انسانًا ضعيفًا محتاجًا لمعونته التي لن يبخل بها عليك أبدًا.

التفت اليه وامسك بيمينه القديرة متّكلاً عليه واثقًا به فهو لا يهملك ولا يتركك، عينه عليك... أما اصرارك على تحقيق ما تريد كيفما تريد وقتما تريد، فلن يجلب لك الاّ الهزال الروحي والتشتت الفكري ممّا يؤثر سلبًا على حياتك بجملتها.

صدّقني أيها العزيز، انّ ترتيب الله وتوقيته هو الأفضل دائمًا فهو الذي صنع الكل حسنًا في وقته وكلامه دائمًا يتم في وقته، بل اسمعه يقول: أنا الرب، في وقته أسرع به (جامعة 3: 11، لوقا 1: 20، أشعياء 60: 22).

 

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا