القراءات: 
* يوحنا 9 - شفاء المولود الأعمى. 
* مرقس 8: 22 - 26 - شفاء أعمى بيت صيدا. 
* متى 7: 3 – 5.

يسوع يشفى المولود أعمى
يسوع يشفى المولود أعمى
 

كما نعلم، هناك خمس حواس جسدية: البصر، السمع، اللمس، الذوق والشم، يقابلها كذلك خمس حواس روحية: نظر - ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع (عب 12: 2) السمع - من له أذنان للسمع فليسمع (مت 11: 15) اللمس - نلمس الرب فننال الشفاء كنازفة الدم (مت 9: 20) ذوق - ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب (مز 34: 8) الشم - نحن رائحة المسيح الذكية (2 كو 2: 15)

في الأسطر القادمة سنركز على حاسة النظر الروحي، والتي هي أقوى حاسة كونها وسيلة الاتصال الأهم والأقوى.

في القراءتين المذكورتين قصتان لأعميين شفاهما الرب، كل بطريقته، أراد الرب من خلالهما أن يعلمنا أنه يريد أن يفتح عيوننا الروحية قبل الجسدية، مع أنه مهتم بشفائنا الجسدي، ولكن تركيزه على الشفاء والنظر الروحي.

نقرأ في مثل أعمى بيت صيدا في انجيل مرقس المذكور أعلاه ان أهل القرية احضروه إلى يسوع كي يلمسه، احضروا الأعمى مجهّزين طريقة الشفاء، وبذلك يحاولون تحديد الرب الذي لا يُحد.

الرب برحمته ومحبته يأخذ بيد الأعمى إلى خارج القرية، مبعدا إياه عن الجلبة والمفشلات التي تضعها الناس، كذلك كون الرب لا يحب العروض (show) ويتفل - يبصق في عيني الأعمى، ثم يضع يديه على عينيه ويسأله هل ابصر شيئا.

الذي يرى هذا المشهد قد يحبط، فالبصق اشارة للاهانه والعار، وقد يكون هذا احد أسباب إخراج الرب الأعمى خارج القرية، فلربما كانوا سيمنعون الرب أو يعيقوه في عملية الشفاء بطريقة الرب طالبين بالتالي ان الرب يشفيه بطريقتهم وعلى مزاجهم: ان يلمسه.

العجيب ان التفل او البصق هو احد مكونات الخلق عندما خلق الرب الإنسان: "جبل" (تك 2: "وجبل الرب الإله ادم ترابا من الأرض") على الأرجح أن أعمى بيت صيدا لم يكن مولودا أعمى، "فالتراب" أو "الطين" موجود ولكن ينقصه "الجبلة"... ليس كذلك في قصة المولود الأعمى حيث تفل الرب على الأرض وعمل طينا وطلاه في مكان العينين واغتسل فحصل الشفاء (سنرى ذلك لاحقا)

بعد ذلك وضع الرب يديه على عيني الأعمى وسأله هل ابصر، فأجاب الأعمى: أرى الناس كأشجار يمشون. صحيح أن هذا الأعمى أبصر ولكن لم ير الأمور بشكل صحيح، فهو رأى الناس كأشجار يمشون، بمعنى رأى الناس على أشكالهم وأنواعهم بشكل مخطوء، راى الخشبات فيهم، رأى القذى في عيونهم، رأى عيوبهم وانتقاداتهم ومساوئهم...

هذا البصير لم ير الناس بأعين الرب إنما بعيون البشر، ولذلك رآهم كأشجار يمشون. لم يقل: رأى الأشجار كالناس يمشون بل العكس.

عندها يتدخل الرب ويضع يديه على عيني أعمى بيت صيدا وجعله يتطلع، عندها ابصر الأعمى بشكل صحيح ورأى الناس على حقيقتهم.

نحتاج إلى لمسة الرب الكاملة كي نرى الناس بشكل صحيح، نحتاج ان ننظر الرب ونرى الناس بأعين الرب وإلا فسننظر الناس كلها أخشابا وعيوبا بأعين الدينونة.

مشهد مشابه جوهريا نراه في قصة شفاء المولود الأعمى (انجيل يوحنا أعلاه) وأول سؤال يوجهه التلاميذ للرب: "من أخطا هذا ام أبواه حتى ولد أعمى" فهم نظروا لهذا الأعمى بعين الدينونة وحكموا عليه فقط بمجرد انه أعمى، والرب يجيبهم حالا: "لا هذا أخطا ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه".

في هذه القصة يسوع يعمل طينا بعد ان يتفل على الأرض ويطلي عيني الأعمى ثم يطلب منه ان يذهب ويغتسل في بركة سلوام، الأعمى يطيع ويرجع بصيرا.

عملية الشفاء تمت بالجبل كما ذكرنا، بالضبط كما فعل الله عندما خلق ادم وحواء، ولكن هنا لم يكن الرب بحاجة إلى النفخ كما فعل عند الخلق، لان الروح موجودة، لكن لمسة الرب كافية لان تكمل عملية الشفاء.

بعد عملية الشفاء – في مرحلته الأولى، ابتدأت النقاشات والجدالات والخصومات حول هذا الأمر، تماما كما يحدث بعد ان نؤمن، تبدا المقاومات والجدالات والاضطهادات، ونرى بالأساس مقاومات لثلاثة أنواع من الناس: 1. الأهل، 2. الجيران والذين حولنا / أهل البلد والمجتمع 3. رجال الدين.

هذا يتطابق مع قصة أعمى بيت صيدا، عندما رأى الناس كأشجار يمشون، رأى الناس على انواعهم، ولكن رآهم كلهم اخشابا، اي بعيون الدينونة، كذا رأى المولود الأعمى الناس في مرحلة الشفاء الأولى.

عندما يفتح الرب عيوننا سوف نلاقي اضطهادات من كل جانب: أهل البيت، حيث يقول يسوع أن أعداء الإنسان أهل بيته (مت 10: 36) وكذلك قال: ما جئت لألقي سلاما بل سيفا (مت 10: 34) في قصة المولود الأعمى نرى كيف ان أهله لم يقروا بما عمل الرب خوفا من اليهود. بمعنى آخر: أنكروا عمل المسيح في حياة هذا الشاب.

نرى مقاومات من المجتمع: يروا التغيير الإيجابي في حياتنا ولكن هم غير مستعدين لقبول الرب وعمله في حياتنا (كما كانوا يقولون: "هو"... "يشبهه"... )

ثم نرى أصعب فئة من الناس: المتدينون - ليس مجرد إعطاء رأي او موقف إنما مقاومة لعمل الرب وإنكار يسوع بل والتجديف عليه، مجرد ان الرب شفى في السبت، طبعا من حسدهم للرب.

كيف نتصرف حيال كل هذه الفئات والمقاومات؟!

كيف نرى الناس، هل نراهم بعين الدينونة، فنبدا نجادل ونخاصم ونقاوم حيال اضطهاداتهم وردود أفعالهم ام نراهم بعين يسوع ومحبته ولطفه وصبره وإمهاله.

بولس يقول لتيموثاوس في رسالته الثانية 2: 23 "والمباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها عالما انها تولد خصومات. 24 وعبد الرب لا يجب ان يخاصم بل يكون مترفقا بالجميع صالحا للتعليم صبورا على المشقات 25 مؤدبا بالوداعة المقاومين عسى ان يعطيهم الله توبة لمعرفة الحق 26 فيستفيقوا من فخ ابليس اذ قد اقتنصهم لارادته".

المولود الأعمى الذي شفي يبدأ بعملية محاورة وجدال لهؤلاء المقاومين والأنواع العديدة من الناس، فيحاول إقناعهم انه هو هو الذي كان قبلا أعمى، كذلك ان الذي شفاه لا بد ان يكون نبي، فيقول لهم: "لم نسمع ان خاطئا يشفى من العمى"... "اتريدون ان تصيروا له تلاميذ"... "لو لم يكن من الله واتقى الله لما استطاع ان يشفي أعمى"... يحتد الجدال بالذات مع الفريسيين فيخرجوه خارج المجمع، نوع من أنواع النبذ والنفي له.

عرف يسوع انهم اخرجوه خارجا لذلك وجده وسأله: أتؤمن بابن الله، فأجابه: من هو يا سيد لاؤمن به، فأجابه يسوع: قد رأيته، والذي يتكلم معك هو هو، فقال: أومن يا سيد وسجد له.

يسوع يوجه أنظار الأعمى نحوه ويقول: قد رأيته، هذه هي الخطوة الثانية في شفاء البصر، عندما رأى يسوع، هذا هو النظر الصحيح الذي جعله يرى الناس بعيون يسوع، بالضبط كما حصل مع أعمى بيت صيدا، عندما وضع يديه على عينيه المرّة الثانية، عندها رأى الناس جليا بعيني يسوع وبلمسة يديه.

من سؤال المولود الأعمى نرى انه لم يكن يعرف يسوع او يختبره بشكل شخصي، فدخل في نقاشات وجدالات عقيمة وغبية كما يسميها الكتاب، لانه رأى القذى والأخشاب بعيون الناس، رآهم بعين الدينونة وبالمقابل كان عنده نظرة خاطئة الى الرب نفسه، فقال عنه في البداية "انسان يقال له يسوع" (عدد 11) وفي سياق الحديث مع الفريسيين قال عنه "نبي" (عدد 17) ثم قبيل اخراجه خارج المجمع قال عنه انه "تقي ومن الله" (أعداد 31 – 33) ولكن عندما نظر الرب رآه على حقيقته، حيث تجلى له الرب ك-"ابن الله" فسجد له، وعندها حصل الشفاء الروحي الحقيقي الذي يريده الرب.
 
ماذا يعني ان نرى الناس بعيون المسيح؟

كيف تصرف الرب بالمحاكمة والصلب، نظر إلى صالبيه بعين المحبة وقلب المتشفع عندما طلب لهم الغفران، حتى انه ربح لصا وهو على الصليب، لا بل تشفع لأجل صالبيه عندما قال: لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون، لماذا؟ لان الرب نظر اليهم بعيونه هو وليس بأعين البشر.

يقول في عبرانيين (12: 1):

"1 لذلك نحن ايضا اذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا لنطرح كل ثقل والخطية المحيطة بنا بسهولة ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع امامنا 2 ناظرين الى رئيس الايمان ومكمله يسوع الذي من اجل السرور الموضوع امامه احتمل الصليب مستهينا بالخزي فجلس في يمين عرش الله. 3 فتفكروا في الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه لئلا تكلوا وتخوروا في نفوسكم".

كذلك نقرا في المزامير (123: 2):

"كما ان عيني الجارية نحو يدي سيدتها هكذا عيوننا نحو الرب" وكذلك مكتوب في المزامير 25: 15 "عيناي دائماً إلى الرب، لانه هو يخرج رجلي من الشبكة".

كان لأليشع أعين يسوع، فنقرأ في 2 مل (6: 17) "17 وصلى أليشع وقال يا رب افتح عينيه فيبصر. ففتح الرب عيني الغلام فابصر واذ الجبل مملوء خيلا ومركبات نار حول اليشع"

ان أرى الناس بعيون يسوع يعني ايضا ان أراهم من خلال صليب الرب وآلامه وان يكون في نفسي حكم الموت، عندها ساحتمل الألم لان انظاري مصبوبة على يسوع وصليبه وآلامه (2 كو 1: 9)

ان أرى الناس بعيون يسوع يعني ايضا ان اتفكر دائماً في الذي احتمل مقاومات الناس واضطهادهم واهاناتهم، هذا هو الفكر الذي في المسيح، الذي يتحدث عنه برسالة فيلبي، الذي اخلى نفسه، اي تجرد من نفسه وعرشه، اخذا صورة عبد، صائرا في شبه الناس، واطاع حتى موت الصليب... عندما نفكر هكذا اي يكون لنا فكر المسيح عندها سوف نستهين بالخزي... عندها سنرى الإهانات والمقاومات بشكل آخر، وردة فعلنا حيال ذلك لن تكون إهانات وجدالات ونزاعات وخصومات، إنما محبة وحكمة ولطف وغفران، مدركين ان هؤلاء الناس هم خليقة الله وهم بحاجة إلى يسوع والخلاص من الخطية ومن قبضة الشيطان.

في قصة آدم وحواء وهم بعد في الجنة نقرأ كيف انه بعد ان أكلا من الشجرة التي قال الله ألاّ يأكُلا منها يقول:

"فانفتحت اعينهما وعلما انهما عريانان. فخاطا اوراق تين وصنعا لانفسهما مازر" (تك 3: 7)

فمنذ ان دخلت الخطية إلى العالم انفتحت عيون الإنسان على الخطية، والرب يسوع يريد ان يسترجع بصرنا الروحي وان يعمي عيوننا عن الخطية كما كان الحال مع ادم وحواء قبل السقوط، وهذا يتم بعد ان نتوب عن الخطية ونصبح أولادا لله.

في نهاية قصة المولود الأعمى يخاطب الرب الجمع ويقول (عدد 39):

"لدينونة أتيت انا الى هذا العالم، حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون" وهذا يتطابق مع قول في انجيل يوحنا (3: 19):

"وهذه هي الدينونة: ان النور قد جاء الى العالم، واحب الناس الظلمة اكثر من النور، لان اعمالهم كانت شريرة" من هنا فنور المسيح هو الذي يحدد دينونة البشر، فإما أن نبصر صحيحا بنور المسيح ومنظاره وعيونه، وهكذا ستنفتح عيوننا الروحية فنخلص، أو أن نحب البقاء في الظلمة رافضين نور المسيح، وبالتالي فسوف نبقى عميانا فنهلك.

نحتاج دائماً إلى لمسة الرب وأعمق من ذلك نحتاج ان نراه كي نرى الناس بعينيه هو، بعين المحبة واللطف والقداسة والتواضع، وليس بعين الدينونة والكبرياء، عندها وفقط عندها سنبصر جيدا ان نخرج القذى والخشب من عيون الناس.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا