بقلم سليمان يوسف يوسف، باحث سوري مهتم بقضايا الأقليات

تَدَهورَ وبشكل خطير وضع مسيحيي المشرق ودخلوا دائرة "الخطر الوجودي" مع تنامي دور التنظيمات والمجموعات الاسلامية السلفية الجهادية الأشد تطرفاً مثل (تنظيم الدولة الاسلامية- داعش)، الذي وجه ضربةً قاتلة لمسيحيي وايزيديي العراق وهدد مسيحي سوريا ولبنان بذات المصير. الأمر الذي دفع بالعاصمة الامريكية (واشنطن) الى احتضان مؤتمر "الدفاع عن مسيحيي المشرق" في التاسع من ايلول الماضي، هو الأول من نوعه على هذا المستوى والاهمية. شارك فيه وفد مسيحي كبير مثل مختلف الطوائف المسيحية المشرقية، ضم ابرز ثلاثة بطاركة المشرق، اجتمع بهم الرئيس باراك أوباما ومستشارته لشؤون الأمن القومي (سوزان رايس).

وكان الكونجرس الامريكي قد صوت في وقت سابق على إنشاء منصب "مبعوث رئاسي خاص للأقليات الدينية للشرق الأوسط وجنوب شرق أسيا". والبرلمان الأوربي من جهته عقد العديد من الجلسات لمناقشة وضع مسيحيي المشرق والبحث في إمكانية استصدار "قراراً دولياً" من (مجلس الأمن) لوضع آليات لحماية الأقليات الدينية الأصلية في بلادها.

الاب جبرائيل نداف مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو
رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والاب جبرائيل نداف، الاب الروحي لمنتدى تجنيد المسيحيين في الجيش الاسرائيلي والذي سعى لتغيير خانة القومية في هوية المسييحين.
المصدر: ويكيبيديا

ليس بعيداً عن هذه الالتفاتة الدولية للوضع المأساوي للأقليات الدينية في منطقة الشرق الأوسط، أصدرت وزارة الداخلية الاسرائيلية في 16 ايلول الماضي قراراً يقضي باعتراف دولة اسرائيل بـ(القومية الآرامية)، لتكون احدى القوميات المعترف بها في دولة اسرائيل. القرار الاسرائيلي، الذي جاء استجابة لمطالب قديمة تعود لخمسينات القرن الماضي تقدمت بها منظمات وهيئات مسيحية آرامية داخل اسرائيل، أعاد (الآراميون)، أقدم شعوب سوريا وبلاد الشام، من جديد الى التاريخ، بعد قرون طويلة من تغييبهم القسري وطمس هويتهم من قبل العرب المسلمين الذين غزوا بلادهم واستوطنوا فيها وانتهجوا في حكمهم سياسة إنكار تام لوجود شعوب أصيلة صاحبة الأرض والعمل بطرق وأشكال مختلفة على تعريب هذه الشعوب ومحو وجودها وإعادة كتابة تاريخ المنطقة بما يخدم ويعزز هذا النهج العربي الاسلامي. في سوريا، حيث أعيش وأُقيم، التي أخذت اسمها عن السريان الآشوريين، نظامها (البعثي القومي العربي) لم يكتف بطمس والتنكر لوجود الآشوريين(سرياناً وكلدانا)، هذا المكون السوري الأصيل والتنكر لوجود أقوام سورية قديمة أخرى، وانما وضع خطط وبرامج عنصرية لاقتلاع هذه الأقوام من جذورها و لتدمير ثقافتها الخاصة، والتضييق عليها بطرق وأشكال مختلفة لدفعها على الهجرة وترك وطنها الأم. لهذا، ليس بمستغرب اسارع القوميون العرب، من بعثيين وناصريين وغيرهم، الى رفض اعتراف الحكومة الاسرائيلية بالقومية الآرامية واعتبار هذا الاعتراف "خنجراً جديداً" في خاصرة الامة العربية وإدراجه في اطار (المؤامرة الصهيونية) لتمزيق المجتمعات العربية.

 اعتراف اسرائيل بالمسيحيين الآراميين كقومية مستقلة بذاتها عن القومية العربية، اسقط النظرية القومية العربية التاريخية وادحض مزاعم القوميين العرب حول الأصول العربية لمسيحي سوريا وبلاد الشام وبلاد الرافدين، المتحدرون بغالبيتهم الساحقة من اصول آرامية سريانية آشورية. ثبات القوميين العرب على موقفهم الرافض للاعتراف بالقومية الآرامية الى جانب القومية العربية، يؤكد على أن ما يسمى بـ"ثورات الربيع العربي"، التي أسقطت العديد من أنظمة الاستبداد العربي، هي لم تُسقط العقلية العربية الاقصائية، التي أنتجت هذا الاستبداد وسوغت له على مدى عقود من "زمن القمع العربي"، بشعاراتها القومية والسياسية الجوفاء، وتجاهلت معضلة الأقليات، حتى تفجرت بشكل عنفي وأشعلت حروب اهلية في غالبية الدول العربية، وضعت مستقبل الكيان السياسي لهذه الدول على المحك. أنه لمن العبث أن يُنتظر من جماعة طائفية أو عرقية القبول بأن تفرض عليها هوية اي مكون مجتمعي آخر غير هويتها الخاصة تحت ذريعة (التفوق العددي)، حتى لو كان هذا المكون شريكاً لها في الدين و تعيش معه في ذات الوطن. فبعد نصف قرن وأكثر من الشعارات والخطابات والمهرجانات والمؤتمرات القومية العربية، التي كان يؤكد فيها القوميون العرب على وحدة مصير الشعوب العربية ويدعون لوحدة عربية شاملة، تعمقت واتسعت أكثر فأكثر الخلافات والانقسامات (العربية – العربية). ويجد هؤلاء القوميون العرب أنفسهم من (المحيط الهادري الى الخليج الثائري ) بمواجهة حركات انفصالية ومشاريع تقسيم لبلدانهم، على خلفيات طائفية وعرقية و مذهبية وقبلية.

أن ما وصلت اليه الأوضاع في منطقتنا، حيث تتداخل فيها الجغرافية السياسية مع الديمغرافية البشرية، من حدة التوتر جراء الحروب والصراعات والتناحرات بين (اقليات وأكثريات) وبين (اقليات واقليات) وكذلك بين (أكثريات و أكثريات) داخل الدولة الواحدة وبين الدول المتجاورة، تؤكد على أن ثمة ضرورة وحاجة ملحة لتغير وإعادة بناء كل شيء في مشرقنا المنكوب، بدءاً من الانسان الى الخرائط والأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولطالما لم تظهر بعد "أكثريات سياسية" في مجتمعاتنا، والى حين تنشا وتتشكل مثل هذه الأكثريات الخارقة والعابرة للطوائف والمذاهب والاثنيات، ثمة حاجة وضرورة لإعادة تنظيم العلاقة بين الأقليات و الأكثرية العددية على أسس ومفاهيم وطنية حضارية جديدة، وإعادة تعريف وصياغة الهويات الوطنية للدول بما يتوافق ويحفظ هوية وثقافات الأقليات العددية، كذلك وضع صيغ وأسس جديد لعيش مشترك، تحقق طموحات ومصالح الجميع ( أكثريات واقليات).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا