حب ممتلئ بالسماء
حب ممتلئ بالسماء
تصوير LINGA

"بينما كان ثَاوْفيلُسْ {اسم يوناني معناه: محبّ الله} يتهيّأ لكتابة بعض خواطره على دفتر يوميّاته، أحسّ بيدٍ تربّت على كتفه وبصوتٍ جهوريّ يأمره بعدم الالتفات و كتابة كلّ ما يمليه عليه. بعد أن سكت الصّوت التفتَ وراءه فلم يجدْ أحدًا، وبقي هذا النصّ شاهدًا على تلك الحادثة".

قال: لا تلتفتْ وانظرْ أمامكَ كالحرّاث الحكيم، اكتُبْ!

ثاوْفيلُسْ: بماذا؟

قال: انتُفْ لك ريشةً من طائر وجعك، واغمسها في محبرة دمِ القلب الممزوج بندى الدّموع.

ثاوْفيلُسْ: ماذا أكتُبْ؟

قال: اكتب عن الإنسان وحبّه لجلاّده، اكتُبْ عن حنينه للخلود، اكتُبْ عن الله المكنون في الإنسان، اكتب عن الله المنتظِرِ للإنسان، لعلّه يستفيقُ من سكْرِ الإديولوجيا وحمّى الشّبقيّة وهذيذ النّسيان والتّناسي وأمراض الانتفاخ الأناويّ وطاووسِ الكبرياءِ ومركزيّة الذّاتِ.

اكتُب عن الفجر القادِمِ من الشّرق، اكتُب عن الله المستتِرِ خلْف حجاب الآلام، اكتب عن الحبّ الممتلئ بالسّماء، الفائض بالألوهيّة، اكتب أيضًا عن الوحدة حينما تغرس مخالب الشّكّ في لحم القلب، وتحاصرك جدرانها البشريّة وتحومُ غربانها عبثًا محاولة سرقةَ قبس الضّياء من روحك السّاكنة.

اكتب عن ذاك الّذي ختمتْ روحه بخَتْمِ الكهنوت وعقله مسجونٌ في كيسِ يهوذا، اكتب عن ذاك الّذي يخلط التّوراة بـ"حمّورابي" و"موسى" بـ"أنْكيدُو"، اكتب عن أولئك الّذين يريدون أن لا يريدُوا، اكتب عن ذاك الّذي يخلط "الإنجيل" بـ"جلجامش" ثمّ يذيبه في قصّة "كرشنا" ويرمي بالأسطورة في سلّة المهملات ويسجدُ متعاليًا لأناه. اكتُبْ عن ذاك الّذي يجاهد عبثًا ليقنع الموتى بوجود العدمْ، اكتُبْ عن "إنتلْجنْسيا" أعمت أبصارها بسواد الحبر المسمومِ شبقًا وكفّنت أفئدتها بأوراق الكُتبْ، اكتُبْ عن جحودِ الطّيْر الهائم في الآفاق، دون هدفٍ ولا غايةٍ حتّى تعب من الطّيران، وكان سقوطهُ بينَ فكّيْ ذئبٍ قد خبّره سابقًا أنّ الطّيران غاية الوجود الوحيدة، وكان كاذبًا.

اكتُبْ عن الفقراء الّذين يكرهون الأغنياء، اكتُبْ عن الأغنياء الّذين يكرهون الفقراء، اكتُبْ عن كليهما كيف وقعا في فخّ الهلاك بأنْ أداروا ظهورهم للمحبّة، اكتُبْ عن محترفي قتل الطّفولة في الأرحامِ، اكتُبْ عن عشّاق اللّون الرّماديّ، حيث يغيّبون فيه تأنيب ضمائرهم، محاولين إسكاتَ أوجاع الخطيئة فيهم بمسكّنٍ إنسانويّ عقيم.

اكتُبْ عن عصابات "لوسيفارْ" البشريّة كيف حوّلوا شعوبًا بأسرها إلى فئران تجارب، اكتُبْ عن إنسانيّة أضاعت بوصلتها في مهبّ الاستهلاك وفخاخ الإديولوجيا، اكتُبْ عن ليلٍ منتشٍ من دماء البشر، اكتُبْ عن فتور الحبّ في أقبية الجنسِ والشّبقيّة، اكتُبْ عن أعداء الصّليبِ ورافضي القيامة كيف أنّهم عاشوا الموت واعتنقوه دينًا وديدنًا، اكتُبْ عن ذاك الّذي أحاط نفسه بأشياءٍ اخترعها ليعبُدَ ذاته من خلالها فمات فيها وبها ومن أجلها.

اكتُبْ عن نفسِكَ وصليبك ومحبّتِكَ وصبرك وأناتِكَ وضيقك وآلامك ودموعك وصمتك وغيرتك وفرحك وخياناتك وخطاياك، اكتُبْ عن رحلتِك الوجوديّة مع الله، اكتُبْ عن أولئك الّذين أحبّوك وأولئك الّذين آلموك وخانوك، اكتُبْ عن ذاك الّذي أحبّك وولج الموتَ ليفجّر في ظلمتهِ نور الحياة وقام، اكتُبْ عن الرّجاء الثّابتِ وعن آلام الإنسان.

اكتُبْ، اكتُبْ، يا ثاوْفيلُسْ واختمْ السِّفْرَ وسافرْ. خُذِ الكتاب بعزمٍ، واملأ فؤادك ما استطعْتَ من ذلك الحبّ الممتلئِ بالسّماءِ. واصلْ توحّدك بالنّور حدّ الانصهارْ. كي تكونَ شاهدًا وشهيدَا.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا