سلام المحبة التي تجمع ولا تفرّق؛

هند شريدة

تحية مقدسية أرسلها مع أشعة الشمس الذهبية لتعانق كل انسان فلسطيني حُرّ من أرض المسيح، من رأس الناقورة الى أم الرشرارش، لتترجّل مُسدِلة ستارها الدافئ على كل المعمورة وكل من يقف "وقفة حق" مع الشعب الفلسطيني.

لم أقدر أن أطفئ الشغف المتــّـقد في روحي بعد أن قرأت وثيقة "كايروس فلسطين"، وما رشته من ملح الحماسة على نهمي للقراءة في انسجامها لما أحمله من مبادئ وطنية مكتوبة بماء الذهب. لم أعرف أن هكذا موقف أصيل سيؤرق مضجعي لاستحقاقه السهر ليلا، فهممت بالتهام كلمات النور التي كانت تخرج منها بجراءة واضحة لم أعهدها مسبقا، وشعرت بعدها بثقل المسؤولية الملقاة على كل فلسطيني مجبول بتراب الوطن.

لا أخفيكم اليقين الذي تجدد فيّ بعد صيدي الثمين لمحتواها المُتنوّر الذي أغرى حواسي ووخز مخزوني. ان الوثيقة مغلفة بمحبة لا تنضُب، تفيض ايماناً ورجاء ومحبة للأرض والتراب والانسان، فهي مخلصة للشهداء ووفية للأسرى، تدين جرائم الاحتلال ومضايقات المستوطنين وعنجهيتهم بسرقة الماء والهواء والشجر وتهويدهم للبشر والحجر. تمتلؤ الوثيقة بفضائل الروح القدس، فتناجي النفس البشرية الحرة، معلنة موقفا لاهوتيا وسياسيا ودينيا ووطنيا من فلسطين وممارسات الاحتلال التعسفية على أرضها.

أخرجت المبادرة المسيحية الفلسطينية الوثيقة للنور بعد أن خطّها مجموعة من المسيحيين الملتزمين وطنيا، عاكسين موقفا فلسطينيا جامعاً وموحدا، منبثقا من صلب المعاناة الفلسطينية وجراحتها، موجهينها للمجتمع الدولي، ومطالبينهم بوقفة حقّ تجاه ما يواجهه الشعب الفلسطينيّ من ظلم وتشريد ومعاناة وتمييز عنصريّ واضح منذ أكثر من ستة عقود.

تعمل المبادرة على حشد مسيحيي العالم والأسرة الدولية لمناصرة القضية الفلسطينية والالتزام بكافة البنود التي تطرحها الوثيقة للضغط على الحكومات نحو إنهاء الاحتلال. وقد صيغت الوثيقة على منوال ما تم طرحه في وثيقة جنوب إفريقيا الشهيرة والصادرة عام ١٩٨٥ ضد التمييز العنصري.

كان آخر حصاد لكايروس من قبل مسيحيي بريطانيا والتفافهم حول الوثيقة التي أعلنوا استجابتهم لها إبّان مهرجان Green Belt، والذي عقد في 25 آب الماضي. ينعقد المهرجان المذكور بشكل سنوي في مدينة شلتنهام في إنجلترا، وهو لقاء مسيحي جامع بين العقيدة والفنون والايمان بالعدالة؛ أعلن مرتادوه وعلى رأسهم القس بول نورثوب- مترأس المهرجان- التزامهم بنهجها، وقد دعا فيها الى انتهاج مقاومة اقتصادية فريدة تستند على مبدأ مقاطعة اسرائيل وبضائعها والسلع التي تنتجها، بالاضافة الى سحب الاستثمارات منها، مستشهدا بأن الوثيقة ليست مجرد كليشهات شكلية وشعارات واهنة وانما هي وثيقة إيمان وعمل.

كما تمت ولأول مرة إدانة وعد بلفور؛ ذلك العجوز الكهْل يأتي مُعَرِّجاً على صَهْوَةِ الأحزان من كلّ عام وفي جعبته ذكرى بطعم العلقم وسكينٌ يشكّ بها خاصرتنا، فنعود لنستذكر مرثية فلسطين، خطّها (هولاكو) بريطاني تآمر مع (نيرون) صهيوني لحرق الأخضر واليابس منا. من منجزات المهرجان وأهميته الاعتراف بعد 96 عاما بوعد بلفور الخائن للشعب العربي والمؤامرة التي طالته، مما يُحَمّل بريطانيا نصيب الأسد من المسؤولية العظمى في تقسيم فلسطين ورمي الشعب الفلسطيني كطعم في يد القوى الاستعمارية التي جلبت لنا الاحتلال الاسرائيلي.

وسط هذه النتائج المزهوة بالياسمين، وبغبطة وابتهاج شديدين، استقبل مسيحيو فلسطين التعاضد البريطاني الأخوي مع أقرانهم في المسيح، وذلك في رسالة وُجّهَتْ لهم من كايروس فلسطين، حيث استطاع المهرجان كسر شوكة اللغة والتعبير عن التضامن مع القضية ورفع كرامة الانسانية بشتى أشكال الفنون والغناء، واضعا القضية الفلسطينية على سُدّة العمل والأولويات. وقد دحض كايروس فلسطين في رسالته أيضا ما كتبه الصهيوني ريتشارد ماثر في موقع تابع للقناة السابعة الاسرائيلية بتاريخ 11 آب عندما وصف الفلسطينيين "بالارهابين" واتّهمهم بالعداء للسامية، وأن المهرجان المقام يُسَمّمُ الجيل الجديد بأفكار عن فلسطين مشيرا اليها بفلسطين "الخيالية".

وقد عبرت مقالة ماثر عن ضغينة تأكل قلبه وفكر ضحل يُغْرِقُ صاحبَهُ بشبر كراهية تجاه الشعب الفلسطيني، فهو فاقد للمحبة، مُشبَعٌ بالعدائية والإقصاء لكل ما هو فلسطيني. ليس جديدا على صهيوني مثله أن يتفوه بكل هذه الحماقات، ففاقد المحبة لا يعطيها، بل يتربص بها كالمفجوع، يتحايل لاستمالتها بتأويل أنصاف الكلام واستقطابها بإشاعة الأكاذيب وقلْب الوقائع، كرجل شَمّرَ عن حقده بدل سواعده وبدأ عراكا غير أخلاقي.

يقول انجيل يوحنا في الاصحاح الثامن "الحق يحرركم"، وعلى غرار الآية ومقابلتها، فلا بد أن الجهل المقصود يقيد البشر بسلاسل الشر العقيم. استشاط ماثر غضبا واستفزته الكرازة الحَقة التي أطلِقَت في المهرجان والتي تمثلت بالانتفاضة السلمية والبنّاءة بدعوة المسيحيين لزيارة فلسطين، ورؤيتها بعيون فلسطينية والمساهمة بإعادة بناء بيت هدمه الاحتلال في بيت لحم. لم يقوَ ماثر على جُرأة الطرح، والحقيقة التي حررت مسيحيي بريطانيا داعيا الى إجهاضها بشتى الوسائل.

كان للمهرجان صدى كبير، بلغ نجاحه عندما شهد أهل من بيته؛ أحد اليهود الأمريكيين والناشطين بحقوق الانسان ويُدعى مارك برافرمان على العنصرية الصهيونية، كما ندد بالاحتلال الاسرائيلي على أرض فلسطين. وصف ماثر برافرمان ببيدق الشطرنج مجردا اياه من صفته الانسانية لرجحه كفة الميزان لصالح الفلسطينيين، والخوف من نزعه شرعية دولة اسرائيل، لإدراكه ما يسوّقه الاسرائيليون في استنادهم وتبريرهم للاحتلال بما يسمونه "الحتمية الدينية".

ما هو ماثر الا صوتا ينخره السوس وسط بزوغ نجم الحقيقة التي تحرر البشرية من ظلام العبودية واحتكار صناعة حقيقة مزيفة كالتي يدعي. أيها المسيحيون الفلسطينيون الأبيّون، ليكن كلامكم "نعم نعم، لا لا".. أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. لِنُعْلِي من لاءاتِنا بوجه الظلاميين، ولنتزوج بالوثيقة زواجا كاثوليكيا لا طلاق فيه، لنظل مخلصين للقضية والسيد المسيح، وهو الفلسطيني المقاوم الذي ولد وعاش وتلمذ ومات من أجل خطايانا على أرضها.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا