إن موضوع الثقة هو من أكثر المواضيع التي تحيِّر المؤمنين، خاصة من جهة اناس في أدوار روحية قيادية في الكنيسة، لا يشعرون أنهم أهلا لتلك الأدوار. فتارةً يمثلون أنهم يثقون بهم، فلا يشعرون أن هذا صحيح؛ وتارةً، يعبِّرون عن عدم ثقتهم بهم، فينتاب الجميع شعور بالانزعاج وعدم البناء. وتارةً أخرى، يحاولون أن يطلبوا من الله بأن يزرع ثقة في قلوبهم من جهة قادة معينين، لكن دون جدوى.

فما هي المبادئ التي تساعدنا لأن نثق في الأخوة، من جهة أدوار معينه؟
وما هي المبادئ التي تحثنا أن لا نثق في الآخرين، من جهة نفس الأدوار؟

إن السبب الأول لعدم الثقة بأشخاص هو عدم التأكد من أمانتهم، كالتلاميذ الذين لم يثقوا بأن بولس فعلاً آمن في المسيح، بعدما كان يضطهد كنيسته (أعمال ٩: ٢٦). والسبب الثاني الشائع لعدم الثقة في الآخرين، هو عدم التأكد من قدراتهم أو عدم الارتياح بسبب ضعفاتهم. وممكن أن يكون هذا على نطاق شخصي؛ أي أناس لم يثقوا بأنفسهم بسبب عدم قدراتهم، بعدما أتتهم دعوة من الله، كموسى وجدعون. والبعض لا يثقون بالآخرين بناء على قصور قدراتهم لذلك الدور. لكن من المدهش هو أن هاذان السببان هما غير كتابيان؛ أي أن الكتاب لا يعلم أنه يحق لنا أن نحكم على دوافع الأخوة، أي نُدينهم؛ وأيضًا لا يعلمنا أن نثق، أو لا نثق بهم، بناءً على قدراتهم.

فيما يلي بعض المبادئ التي يجب أن نتعلمها من جهة الثقة في الأخوة الأخرين الذين يقومون بأدوار قيادية في الكنيسة.

المبدأ الأول: الثقة تُبنى ليس على القدرات، بل على التأكد من اختيار الله.

فنحن كبشر، بحسب طبيعتنا البشرية، نميل لبناء الثقة بناءً لقدرات الإنسان. فيجب أن نسأل أنفسنا سؤالاً هامًا: هل نفضل الشخص الأكثر قدرة على ملء دور معين؟ أم نختار الشخص الذي اختاره الرب، وحتى لو كان غير مؤهل للدور؟ كثيرًا ما نسمع عبارة رائعة نرددها، لكن أحيانًا من الصعب أن نطبقها من جهة أنظمة كنائسنا؛ وهي: “الله لا يختار المؤهلين، بل يؤهل المختارين". وتعني أنه بحسب ما نراه في الكتاب المقدس، الكثير من المختارين، عندما اختارهم الله، لم يكونوا مؤهلين للدور أو الدعوة. في نفس الوقت، كان هناك الكثير من الرجال اللامعين والمؤهلين على زمن المسيح؛ لكن المسيح لم يختارهم، بل اختار أناس جهال غير مؤهلين ومن ثم أهلهم بنفسه. طبعًا التأهيل هو أمر جوهري وأساسي، لكن كثيرًا ما يأتي بعد اختيار الله للإنسان وليس قبل. لذلك أختار أنا كمؤمن أن أثق في الأخ أو الأخت، من جهة دور معين، بعد أن أكون متأكد أن الله اختارهم ومسحهم لذلك الدور؛ وليس بناءً على قدراتهم للقيام بذلك الدور.

المبدأ الثاني: ليس أحد يقدر أن يأخذ شيء إن لم يعطى له من السماء:

كثيرًا ما نسمع هذه الأية في سياق حديث يحمل في طياته بأنه عندما يكون أي شخص في دور روحي معين، والله يسمح بأن يكون في ذلك الدور، هذا يعني أنه أعطِيَ له من السماء. إن هذا المفهوم من أشد المفاهيم ضلالًا؛ وهو غير صحيح على الإطلاق؛ والذي يفهمه بهذه الطريقة، يُخرجه من سياق النص. إن الله أعطى الناس إرادة حرة، وعندما يريد أخ مؤمن أن يأخذ دور قيادي معين في الكنيسة، والله يكلمه مرارًا وتكرارًا؛ ويقول له: "هذا الدور ليس لك”؛ وبعدها يستخدم أخوة من الكنسية للتأكيد على هذا الأمر. لكن كثيرًا ما يتمرد المؤمن على كلام الله، ويختار أن يمسح نفسه لدور لم يعطه إياه الرب. فيكون ذلك الدور غير معطى له من السماء؛ إن سماح الله لوجود شخص في دور روحي، لا يعني أنه مؤيد له؛ وبالتأكيد لا يعني أنه أعطي له من السما؛ فالله يحترم  الإرادة الحرة للبشر، سواء كانت طائعة أم متمردة.

فما هو تفسير تلك الآية؟

إن سياق تلك الآية هو أنه عندما أتى أناس إلى يوحنا المعمدان في يوحنا ٣، وقالوا له:
“ ٢٦ ...«يَا مُعَلِّمُ هُوَذَا الَّذِي كَانَ مَعَكَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ (أي المسيح) الَّذِي أَنْتَ قَدْ شَهِدْتَ لَهُ هُوَ يُعَمِّدُ وَالْجَمِيعُ يَأْتُونَ إِلَيْهِ» “
فقال لهم: “ ٢٧ ... لاَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئاً إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ السَّمَاءِ. “

إن عبارة "أعطي من السماء"، مُفسِّرة لعبارة "والجميع يأتون إليه"، أي أن قلوب الناس كانت ممتلئة من التأييد والنعمة ليسوع المسيح. فقلوب الناس، لا يمكن أن يأخذها الإنسان بذراعه، إنها أمر يُعطى له فقط من السماء. ربما الإنسان يستطيع أن يغتصب دور لم يُعطى له، لكنه لا يمكن أن يغتصب قلوب الناس أبدًا، فهذه عطية تأتي فقط من السماء.

لكن إذا طبقنا هذا المبدأ على بعض نجوم الفن، التي تحبها الناس وتنجذب إليها!!  فهل هذا يعني أنه كل شخص محبوب، أعطي له هذا من السماء؟

وهذا يقودنا إلى العمود الثاني في النص؛ وهو شهادة الله وكلمة الحق لسيرة ذلك الشخص الممجدة لله؛ ونراها في النص، بشهادة الناس عن قول يوحنا المعمدان: “ الَّذِي أَنْتَ قَدْ شَهِدْتَ لَهُ ". أي إن قلوب الناس وحدها ليست كافية، لكن وجود ذلك الشخص الممسوح ضمن شهادة الحق والاستقامة بحسب كلمة الله وقداسته.
لذلك إن جميع المؤمنين الذين في أدوار قيادة روحية، وقلوب أغلبية الرعية ليست معهم، وليست مؤيدة لهم؛ يجب أن يسألوا أنفسهم سؤالاً هامًا: هل ذلك الدور أعطيَ لهم من الرب؟ أم هم وضعوا أنفسهم فيه؟

لذلك اختيار راعي لكنيسة، بحسب دستور الكثير من الكنائس الإنجيلية، يجب أن يؤيَّد بأغلبية تتراوح حول ٨٠٪ من الأعضاء. والقس الذي يقبل أن يأخذ دور رعاية الكنيسة دون أن يحصل على تأييد كبير من الأعضاء، فهو إما يحاول أن يمسح نفسه لذلك الدور بنفسه من دون الله؛ أم يتسرع في أخذ الدور قبل أن يعطيه اياه الرب في وقته إذا ظل أمينًا. فإصراره على أخذ ذلك الدور، سيكون بمثابة انتحار روحي له وللكنيسة.

إذًا أنا الذي أختار أن أثق في خادم ذات دور قيادي معين بإرادتي. واختياري للثقة به، يجب أن يكون مبني على إيماني بالله الذي اختار ذلك الخادم، وليس على قدراته أو وجود ضعفات في حياته. ليس لي الحق للحكم على نواياه، فهذا أمر يخص الرب فقط. إن الثقة في أي أخ، تتطلب إيمان في الله الذي اختار ذلك الأخ لدور معين؛ وهذا ليس سهلاً في الكثير من الحالات؛ خاصة إذا كان الشخص يحتاج إلى الكثير من التأهيل. ونتأكد فيما إذا كان الله هو الذي اختار أحد الأخوة لدور قيادي معين في الكنيسة، عن طريق النعمة والتأييد العام للأغلبية الساحقة من الأخوة المؤمنين الثابتين في الكنيسة.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا