يمارس عرب هذه الديار رياضة شعبية اسمها الأعراس.

العرس مهرجان متكامل يشمل التعاليل وسهرة العروس واخرى للعريس وواحدة مشتركة والزفة والزيانة والعشاء ولف العلب والاكليل طبعاً. وقد رفق بنا الرب حين سمح بالاضمحلال التدريجي لحمام العريس والحنّة للعروس.

تستهلك هذه الرياضة الشعبية طاقة مجتمعنا وتستنزف موارده ولا يتملص منها احد. ان حاولت الافلات فالواجب الاجتماعي يقف لك بالمرصاد. من يتجاهله يخاطر بتعكير صفو علاقاته الاجتماعية وقد يمسي منبوذاً اجتماعياً. يقضي الناس اوقات فراغهم في مجتمعنا من سهرة عريس الى تعليلة ومن طلعة عروس الى "ردة اجر" وهكذا قلّما يجدون وقتاً لفعاليات مفيدة اخرى.

ان اصل مظاهر فرح العرس رائع ومصدرها العادات الفلسطينية المؤكدة للتعاضد الاجتماعي التي ورثناها اباً عن جد. انها وبجد تطابق القول الانجيلي "فرحاً مع الفرحين وبكاءً مع الباكين". "يقع الفاس بالراس"، كما يقولون، وينوي الشاب الاديب ان يرتبط بحبيبة قلبه صاحبة الصون والعفاف فتنوي العائلة اتمام مراسيم العرس. ان ذلك لا يتم دون مهرجان من طبل وزمر ومكبرات صوت تشق عنان السماء في ليالي الصيف الحارة والشبابيك المشرّعة. وما أجمل مشاركة الآخرين للعائلة بفرحها فيهلّ الاصحاب والأقارب والانسباء والمعارف المشاركة- مما يزيد الفرح ويكمله. من يفرح وحده لا فرح له.

لكن ملامح مجتمعنا قد تغيّرت منذ ايام العادة الاجتماعية الجميلة، اذ توسعت حلقات الاقرباء والمعارف وزادت معها دعوات العرس. لكن ساعات العمل والانشغالات زادت هي الاخرى وقلّ معهما وقت الفراغ فأصبحت المشاركة في مهرجان العرس تحاشر لتجد مكانها في تلك الفسحة الضيقة من الوقت. وقد زاد الطين بلّة تعظُّم المعيشة وبطر العيش اللذان يولدان تزايداً للحفلات المقررة في الأعراس. ان كان جاري قد احيا ثلاثة حفلات وتعليلتين عند عرس ابنه فلن اقوم بأقل من ذلك وبدل الدي جي في التعليلة كما فعل جاري ستطربنا فرقة كاملة... هناك كثرة وتعدد للحفلات ولكنها متشابهة للغاية بقاعاتها وفرقها الموسيقية ووجبات اكلها وغالباً لا تحمل سمة مميزة أو لمسة شخصية. ما عرفناه في تراثنا كحفلات سمر ظريفة ومتواضعة اصبحت حفلات سهر وضجة وتعب ورائحة دخان ناهيك عن النقوطات المثقلة للكاهل.

لقد رافق هذه الظاهرة أو قل المظاهرة - تقليلاً من شأن خدمة الاكليل عندنا وأصبح حضور السهرة هو القيام بالواجب بعينه أما حضور الاكليل فقد اصبح هامشياً. فالاشتراك بالسهرة تعتبر حضور "الفرح" لوجود الرقص والغناء والأكل والشرب، أما منح بركة الله على الزوجين وعقد الزواج نفسه فلا يرتقي في أعين كثير من الناس وللأسف لتلك المرتبة.

يسود التذمر بين ابناء مجتمعنا لتعظم المتطلبات الاجتماعية والنقوط المثقل للكاهل. لكن كل المحاولات لوضع مستوى موّحد من نقوط العرس وتشجيع المحتفين لاختصار حفلاتهم، ذهبت أدراج الرياح. تكونت حلقة المفرغة من الرغبة بالقيام بالواجب من جهة والمشي وراء القطيع من جهة اخرى وكسر هذه الحلقة اصبح شبه مستحيل.

كمسيحيين ائتمنا الرب على مواردنا من الوقت والمال وأوصانا ان نعيش لمجده. اعلن يسوع حريتنا وأوصانا أن نتفاعل مع المجتمع الذي نعيش فيه ونكون ملحاً ونوراً فيه. حذرنا الرب ممن يحكم علينا من احكام ناموس مثلاً من جهة سبت أو هلال. يسوع حضر عرس قانا ولكنه وصف الناس في آخر الأيام بسلبية أنهم "يزوِّجون ويتزوَّجون".

كيف يمكن استنباط مشيئة الله لنا من حيث ظاهرة الاعراس ما بين المبادئ والحوادث اعلاه وغيرها؟ هل نقاطع كلياً فلا نفرح مع الفرحين ونخسر الفرصة لنكون نوراَ في الظّلام؟ هل ننخرط في هذه الرياضة الشعبية من هامة رأسنا الى اخمص قدمينا فنفني مواردنا ونضيع وقتنا ونؤذي صحتنا ونرضي الناس؟

أخال لو أن عاش يسوع بيننا اليوم لانتهج اسلوب انتقائي ومعتدل في المشاركة في الأفراح واتخذ موقفاً صريحاً ومندداً بسوء استخدام الظاهرة.

من الرائع ان نحافظ على عاداتنا التراثية الجميلة ولكن يتوجب تعديلها لتلائم القرن الواحد والعشرين بحسب حياتنا اليوم وبحسب معايير مبادئ وحياة مثالنا الرب يسوع.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا