يُحكى عن حكيم، من مواليد هذه الديار وحكمته فاقت كل مقدار. من اليوم الذي تعرف على طريق الايمان، عرفه كل من زار الكنائس، وكل من شارك على منابر، خفيف الدم طريف ونهفاته فاقت كل تعبير.

حكيم، هو شاب كبير وشيخ صغير، يحبه الكبير والصغير. في هيئته هيبة الشيخ وفي طبعه طرافة الطفل، لكن أجمع الجميع على أن يسموه حكيم، ولم يعد يذكره أحد إلا بأسم حكيم، حتى هو بنفسه، أصبح ينظر المرآة يوميًا ليؤكد أنه حكيم. تركيبته عجيبة يجمع بين اللطافة والطرافة، والمعرفة والحكمة، وقوة الشخصية، لكن في بعض الأحيان تختلط عليه الامور ، ليصبح خشنًا، بليدًا، ساذجًا وضعيفًا، ليمثل في كل رواية من رواياته حالة. فهو خليط مني ومنك ومنهم ومنّا. فهو أنا وأنتَ وأنتِ وأنتم وأنتن... نحن جميعًا.

ويستمر حكيم في في حياته الروحية، مفعم بالحياة، لا يتوقف عن إداء واجباته في الكنيسة وفي حياته الروحية. روحه تتجدد وأفكاره لا تتوقف. ها هو اليوم يذهب حكيم متحمسًا إلى الكنيسة لحضور الاجتماع الإداري الذي يحضره فقط أعضاء الكنيسة. كيف ولا وفي جعبته إعلان الهي يريد أن يعلنه بختم سماوي. توافد على الإجتماع عدد لا بأس به من أعضاء الكنيسة عن غير عادة، فهمس حكيم في ذاته: فالناس تحدد وجه صاحبها بالحديد، سأعلن للجميع ما عندي من جديد، وكثرة الحضور ما هو إلا تأكيد!

بدأ الاجتماع، ولم يعد حكيم يسمع غير أنفاسه وهمسات عقله. ولاحظ الحضور أن لحكيم ما يقول، فهو يراقب الساعة وتبدو على وجهه علامات الرهبة. فقد كانت الأفكار تلاحقه محاولاً توقع ردود أفعال الأعضاء لما سيعلن؟...معارضة؟؟ لا لا لا يمكن فهو متيقن والرب سيرتب، تشجيع؟؟ نعم وبكل تأكيد! ربما سيقوم الراعي ويباركني، لربما لا؟ وهل وكيف... تخبطت الافكار في داخله لتتسارع نبضات قلبه، فيصرخ لنفسه: لا استطيع ان احتمل اكثر فما في داخلي يكبر! وما أن نظر حوله حتى لاحظ أن أمين صندوق الكنيسة قد أوشك على إنهاء حديثه عن ميزانية السنة المقبلة! فإذ بحكيم يقفز ليقف بين الجميع وقد إرتسمت على وجهه علامات لم يفهمها أحد! هل ذعر حكيم؟ هل فرح حكيم؟ هل ذهل حكيم؟ ولكنه لم يعط فرصة لأحد أن يتسائل علنًا فقال " لقد أمرني الرب بترك الكنيسة"! ثغر الحضور أفواههم بدهشة، فلم يتوقع أحد مثل هذا. فحكيم محبوب نشيط، رغم أنه أحيانًا سليط، و ليس بكل أمر عليم!

تقدم نحوه راعي الكنيسة وهمس في إذنه متسائلاً مادًا يده مربتًا على كتفه"هل من أمر أزعجك؟ لمذا تود ترك الكنيسة؟" فأكمل حكيم غير مكترثًا بأي كلام وأي سلام "نعم نعم لقد أمرني الرب بهذا الأمر، لذا سأترك الكنيسة بعد ثلاثة شهور من الآن". أنتهى الاجتماع ولم يستطع أحد أن يجادله فقد بغتهم بكلامه وهو متيقن من الرب وإعلانه!

لكن راعي الكنيسة لم يستطع أن يتعامل مع الأمر من غير نقاشه. فتوجه الى شيوخ الكنيسة معربًا لهم عن مخاوفه عن أمر حكيم، فتسائل إن كان حكيم على خلاف مع أحد الأعضاء ليقرر ترك الكنيسة، وأضاف وقال "لابد بوجود مشكلة ما دفعت حكيم بتركنا ". بعد حديث طويل ومن التفكير والإقتراحات، قرر مجلس الكنيسة زيارته والحديث معه، فكيف لا، فحكيم محبوب وكلامه مسموع رغم هفواته التي تعوّد عليها أصدقائه!

وهكذا كان، فقد زار مجلس الكنيسة حكيم واستقبلتهم أمه العجوز بوجهٍ سموح لطيف، وأسلوب كلام ودود أليف، ذكرهم بحكيم! شددت أم حكيم: تفضلوا تفضلوا بالدخول حكيم هنا أنه هنا، سيفرح بزيارتكم!

خرج حكيم لملاقاتهم، وعلى وجه علامات الجديّة، رغم أنه مبتسم في قلبه! فها مجلس الكنيسة يزوره، فهو محبوب وزياتهم تثبت ذلك!

بدأ حديث طويل مع حكيم ومباحاثات استمرت ساعات، ولكن حكيم عاد وأكد : "لا لا الرب أمر وما عساي ان أفعل غير طاعته". فخرج الجميع من بيت حكيم وفي قلبهم هيبة من كلام غير سليم، رغم ظن حكيم أنه عليم!

مرت ثلاثة شهور وأكد حكيم تركه الكنيسة للراعي قبل بدأ الاجتماع الأخير، فأخبره الراعي أن لا بد منه إلا أن يدعوه في نهاية الاجتماع للصلاة له والبركة. بدأ الاجتماع بإعلان من راعي الكنيسة بأن سهام ستنضم الى الكنيسة بشكل رسمي كونها انتقلت للسكن بجانب الكنيسة.

تفرس حكيم بسهام وتذكرها وبدت نظرتها وكأنها تطلق سهامها نحوه، ليتوقف قلبه عن النبض، وتذكر سراب.. فأعتلت على وجهه حمرة الخجل ونظر إلى أعلى ليأخذ إعلان من فوق من رب الكون!

و بنفس حماسته قبل ثلاثة شهور وقف حكيم في الوسط وأعلن "لن اترك الكنيسة"!!

ازدادت الدهشة وكثرت الاسئلة، فكيف يغير الله رأيه كيف بدل لحياته خطته ...فبدأ يتصبب بالعرق وأجاب عما حصل فأعلن "ألا تؤمنون بأن الرب يغير الاوقات والازمنة؟!"

هذا هو حكيم، حكيم من هذه الديار!

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا