تسمى بلادنا "الأراضي المقدسة" ولكن يخيل لنا في الكثير من الأحيان انها أبعد ما يكون عن القداسة.
سميت بلادنا ب-"المقدسة" لأن الذي قال "كونوا قديسين لأني أنا قدوس" عاش فيها. نعتها الناس بهذا الصفة بسبب أن أطهر وأقدس من داس وسيدوس على وجه البسيطة أختارها كبلده قبل ألفي عام.

هذه "القداسة" جعلت قواد وملوك وأباطرة التاريخ تطمع فيها. غزاها اسكندر المقدوني، الصليبيون والعرب ونابليون والأتراك والانجليز واليهود . شعوب كثيرة قدمت التضحيات الثمينة لكي تثمل بالعزة الوطنية حين تغرز راياتها في ربوعها وعلى قمم جبالها. قدم هؤلاء الغالي والنفيس ليظفروا بها. لم تتنازع الشعوب عليها فحسب، بل أفراد الديانات أيضا. تحارب عليها اليهود والمسلمون والمسيحيون في العصور المختلفة. تشبث كل منهم بطرف ملاءتها وشدّوا بها حتى تخرقت وكادت أن تتمزق. ادّعى كل منهم أنها مُلكه–ومُلكه وحده. قال المسلمون ان نبيّهم عرّج عليها في طريقه إلى السماء وهذا يمنحهم الحق بها. اليهود ادّعوا أنها لهم لأن الرب وعد خليل الله إبراهيم ونسله بها. المسيحيون أيضاً ادّعوا أنها ملكهم لأن يسوع المسيح عاش فيها.

أما اليوم فوضعها ليس أقل سوءا. اليوم تئن الأراضي المقدسة تحت وطأة الخطايا.

يقول البعض أن تل أبيب هي مدينة الشر الأولى في البلاد، اذ هي معقل للانحلال الأدبي والأخلاقي من حيث الإباحية الجنسية ويعيش فيها اللوطيون والسحاقيات متباهين وفخورين باسلوب حياتهم. شخصياً اعتقد أن مدينة القدس تغرق في مراغة حمأة الخطية بما لا يقل عن تل ابيب مع وجه الفرق الكبير بينهما.

للقدس حب خاص في قلبي اذ عشت فيها طفلا وشابا وقضيت فيها أوقاتاً طيبة غُرست في الذاكرة. لذلك كنت ارغب ان اقول مع فيروز "للقدس سلام". بدل ذلك لا يسعني إلا أن ابكي مع يسوع عليها وأصبو لأورشليم أخرى.

ان القدس ليست مقدسة. إن أورشليم ليست نورا وليست المدينة التي كُرست للرب . انها مركز للتعصب والكراهية والعنصرية وبعكس اسمها فقد أصبحت معقلاً للشر رغم هيئتها المتديّنة. إنها أرض نزاع وتشريد وقمع وعنجهية وكراهية وعنصرية.

ما يضاعف بشاعة خطايا القدس أنها تجري باسم الرب والإله والنبي وجميع من يدّعون تمثيلهم على الأرض. عادة ترتفع الأصوات بأحاديث عن تآخي الأديان وعن حملها لقيّم المحبة والتسامح ولكن الواقع بعيد للغاية عن ذلك. للأسف ازدادت مؤخرا المعادلة انه كلما طالت اللحية أو ثوب التديّن ازدادت كراهية مرتديهما.

شباب من المتزمتين اليهود الحريديم (وربما كانوا من الرجال فثيابهم وقبعاتهم الخاصة تخفي عمرهم) استفردوا قبل عدة أيام في القدس بامرأة في السبعين من العمر وانهالوا عليها بالضرب وتركوها تصارع سكرات الموت قبل ان يسعفها جيران اشرعوا لإغاثتها. "جريمة" المرأة التي جعلتها تستحق الاعتداء الإجرامي الجبان أنها تكلمت عن يسوع المسيح.

سبقتهم ببضعة أيام فقط عناصر متزمتة أخرى من القدس أيضاً كتبت على حائط الكنيسة المعمدانية في شارع نركيس في القدس الغربية شتائم قبيحة بحق الرب يسوع وبحق المسيحية.

الكراهية لا تميّز المتزمتين اليهود في القدس وحدهم بل تطول المسلمين أيضاً. فها هو مفتي القدس الذي لا يتورع في احدى خطبه مؤخراً بوصف اليهود كنسل القردة والخنازير. هذه الشخصية الدينية الرفيعة المستوى تستغرب بعد ذلك لماذا يهاجمونه على أقواله هذه.

حتى المسيحيين لم يسلموا من وبأ الكراهية فها هو رجل دين مسيحي يحمل لقب دكتور ( على فكرة، ألا يطالبون المتعلمين لهذا اللقب بقليل من الأدب؟) لا يأتيه النوم كل يوم إن لم يسب الانجيليين- مثلما طل علينا في موقع لينغا "بدرره" هذا الأسبوع.

كما تسكن القدس مجموعات من المسيحيين الصهاينة الذين أعماهم "حبهم" لليهود فكرهوا العرب الفلسطينيين شر كراهية.

ما هو دور المؤمنين المسيحيين الحقيقيين إزاء هذه القاذورات التي لا تقتصر على مدينة القدس بل تنتشر وتخرج رائحتها الآسنة للبعيد؟ هل نتحد لنحمل مكانسنا ونجتهد لنزيلها؟ هل نرش عطر عبيرنا عليها – وهو من رذاذ رائحة المسيح الزكية؟
عملت الكنيسة على مر العصور على إلغاء الرق في أمريكا وأوروبا ، في إلغاء الابرتهايد في جنوب أفريقيا وفي الصلح في ايرلندا. أضاءت الكنيسة في كل هذه الحالات والكثيرة غيرها بنور الإنجيل لغياهب الظلمة فطرد الكراهية والبغض بين البشر. استبدلت الكنيسة الظلام بنور العلم والإيمان والثقافة المقرونين بالمحبة والنعمة.

هل لكنيستنا دور في ذلك في إسرائيل/فلسطين/البلاد المقدسة- في بلد رئيس السلام القدوس بالذات؟!

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا