في جلسة نسائية دافئة وبين أنغام الموسيقى الهادئة وتسامر وضحكات ناعمة، تجاذبنا أطراف الحديث عن حال اليوم وكيف تؤول بعض الأمور من سيء إلى أسوأ... الغيرة، الخباثة، النهم، المنافسة الهادمة، السرقة والنهب بقلب بارد وروح خادعة، محبة باردة موجعة... وما إلى ذلك من مواقف وتصرفات وسلوكيات باتت مثيرة لخيبات الأمل والتألم والحسرة، خصوصًا بيننا نحن معشر المؤمنين!

وكانت التساؤلات التي أثارت الحيرة والعجب هي: لماذا نكنز لنا كنوزًا أرضية فانية وفاسدة، وما هو الثمن الذي ندفعه مقابل غنائمنا هذه؟!!

لماذا لا نزال نبحث عن المجد الذاتي والشهرة والسموّ والعلاء؟! لماذا أختار بصحوتي العقلية والنفسية أن أدوس على أخي كي أعلو درجة أو اثنتين عنه؟! والسؤال الأهم... بعد هذه المعارك غير ألاخلاقية و غير المسيحية، إلى أين نطمح أن نصل؟ ما هو الارتفاع الذي سنشعر من خلاله بالنشوة والانتصار واِّلرِّضا؟! أترى هل من الممكن أن يشعر الإنسان بالرِّضا بعد أن داس على كل ما هو جميل وقيّم ونفيس في طريقه نحو طبقات فارغة من الارتفاعات؟ وماذا بعد؟!

يقول في إنجيل متى 26: 8- 12 "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ، وَأَنْتُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ. وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ. وَأَكْبَرُكُمْ يَكُونُ خَادِمًا لَكُمْ. فَمَنْ يَرْفَعْ نَفْسَهُ يَتَّضِعْ، وَمَنْ يَضَعْ نَفْسَهُ يَرْتَفِعْ".

هل أنا بحاجة لأكثر من هذه الكلمات لأستوعب المفهوم الأساسي لمسيحيتي التي أصبحت مزيفة ومُبهرجة؟ أو لعل تسميتها بـ"مسيحية آخر موضة" تليق أكثر وتُعبِّر بصورة أوضح عن الحقيقة المزعجة والمُحرِجَة!

عصر السرعة والموضة والمنافسة يُجبر المرء على الانسياب والتغلغل في ثناياه، وإلا سيُخلَّف من يُعارضه وراءه ليُطلق عليه اسم: "شخص مُتخلف"، أو "رجعي" أو لربما "شخص ساذج"!

وهل أقبل بلقب مُشين كهذا؟! حاشا! أنا إنسان مُتحضِّر وعصريّ، أعرف كل جديد وأتابع كل ما هو "طازج" ومرغوب. ألبس على الموضة، أتحدث وأتحاور على الموضة، أتنافس على الموضة، أدوس على غيري بُغية إتّباع الموضة والصمود...! سمعتها من كثيرين: "إن الكتاب المُقدس كُتب في حقبة زمنية مُعينة لمجموعة مُخصصة من الناس التي عاشت قديمًا...هو موضة قديمة إذ لا نستطيع أن نُطبِّق تعاليم بدائية في عصر مُتحضِّر ومتقدم"!!

فماذا أقول بعد عندما أرى المسيحي يسلك طريق هذه الكلمات الجاهلة؟

إصحوا..استفيقوا...تعقَّلوا يا أحبة...تعقَّلوا!!! ما بالكم يا قوم تنهالون على بعضكم البعض بالإهانات والتعييرات والتذليل والمهانة؟ هل القول: "وَادِّينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ، مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْكَرَامَةِ" رومية 12: 10 قولٌ قديم الطراز وبالٍ؟! إذًا أنا أختار أن أكون إنسان رجعيّ وساذج ذات قلب طيب وضمير نظيف على أن أُدعى "مسيحي على الموضة" ذات قلب متحجر وضمير مُتعَب وشائك! أختار أن أقف على عتبة بيت الرب من الجلوس في خيام الأشرار. أختار أن أمدّ يديَّ لأخي كي أرفعه وأقدمه على أن أدوس على رقبته في طريقي لارتفاع زائل. أختار أن أكون مسيحي حقيقي! هي قضية اختيار لقيم ومبادئ ثابتة وحازمة وجازمة، لا تتغير بفعل التغييرات العصرية والضغوطات الاجتماعية... مبادئ مبنية على صخر الدهور وكلمته الدائمة والثابتة والراسخة فينا.

"لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ. بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ، لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا". (متى 6: 19- 21)

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا