ترجع معرفة الإنسان بالله جلّ قدره إلى عصر الإنسان الأوّل، آدم وحوّاء. إذن لا يحتاج المؤمنون بالله- والمؤمنات- إلى دليل من خارج الكتاب المقدّس ليدّلهم على الله. ولا يحتاج أحد منهم- ومنهنّ- إلى نبيّ جديد ليخبرهم عن مفهوم وحدانية الله. ولا يوجد دليل أفضل من الثالوث الإلهي (الذات الإلهية والكلمة والروح القدس) ليوضّح جوهر الله وطريقة تعامله مع الخلق. علمًا أنّ زمن النبوّات قد انتهى بعد عصر مجيء المسيح المُخلّص، الذي كان محور نبوّات جميع الأنبياء متجهًا إليه. حتى بدأ زمن أعمال الرسل الذين أرسلهم السّيّد المسيح إلى العالم بصفته كلمة الله، بعد قيامته من الموت، قائلًا لهم: {دُفِعَ إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاٌذهبوا وتلمِذوا جميعَ الأمم وعَمِّدوهم باٌسم الآب والابن والروح القدس. وعلِّموهم أن يحفظوا جميعَ ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كلّ الأيام إلى انقضاء الدهر} - مَتّى ۲۸: ۱۸-۲۰ فباختصار شديد: لا نبيّ لله مِن بعد المسيح على أيّة رقعة من الأرض

والجدير ذكره بالمناسبة بيت شِعر وَرَدَ في كتاب «النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية» ج ۱ ص ٦۹ للأب لويس شيخو عقب إشارة إلى نصرانية حضرموت: {ويُثبت انتشار النصرانية في حضرموت ما جاء في كتاب «طبقات بن سعد» في فصل الوفادات فذكرَ وفدَ حضرموت وأوردَ قولَ أحَدِ الوافدين اسمُهُ كُليبُ بن أسد
أنت النبيّ الذي كنّا نُخبَّرُهُ -- وبشّرتنا بكَ التوراة والرّسُلُ
وورد بيت آخر ص ۱۱۰ للسَّمَوْءَل (الذي اعتبره البحّاث لويس شيخو مِن الشّيع اليهوديّة المُتنصِّرة بناءً على أصله الغسّاني وعلى ذكره بعض تلامذة المسيح في شعره) من قصيدة لاميّة، وُجدت في الموصل
وفي آخر الأزمان جاءَ مَسِيحُنا – فأهدى بني الدنيا سلامَ التكامُلِ

وتوجد أبيات شعر كثيرة دلّت على انتشار النصرانية في جميع أصقاع شبه جزيرة العرب وتاليًا انتشار اسم الله وسائر أسمائه الحُسنى بفضل النصرانيّة. فقد ردّدَ ذِكرَ الله شعراءُ قبائِلَ نصرانية كربيعة وبكر وتغلب وإياد؛ منهم شعراء المعلّقات وآخرون كثر. ومن الأمثلة الكثيرة في الشعر؛ قول الأعشى قيس
وذا النّصُب المنصوب لا تسكننّهُ -- ولا تعبُدِ الأوثان واللهَ فاٌعبُدا
وقال مادِحًا هوذة بن عليّ ملك اليمامة (أيّام نصرانيّتها) الذي أسَرَ قومًا من بني تميم ثمّ أطلقهم في مناسبة حلول عيد القيامة المجيدة
بهِمْ يُقرِّبُ يومَ الفِصْح ضاحِية – يرجو الإله بما أسدى وما صنعا

وقول زيد بن عمرو بن نفيل القرَشيّ
أرَبًّا واحِدًا أمْ ألف ربٍّ -- أدِينُ إذا تقسّمَتِ الأمورُ
عزلتُ اللات والعُزّى جميعًا -- كذلك يفعلُ الجَلدُ الصّبورُ
ولكِنْ أعْبُد الرّحمن ربّي -- ليغفر ذنبيَ الربّ الغفورُ
فتقوى الله ربّكمُ اٌحفظوها -- متى ما تحفـظوها لا تبُوروا
ترى الأبرار دارُهُمُ جنانٌ -- وللكُفار حامية سَعِـيرُ

وقول أميّة بن أبي الصّلت
إلهُ العالمين وكُلِّ أرضٍ -- ورَبُّ الرّاسِـيَاتِ مِن الجبالِ
بَناها واٌبتنى سَبْعًا شِدادًا -- بلا عَـمَدٍ يُرَيْن ولا حِبالِ
وقد قال
الحَمْدُ للهِ لا شريكَ لهُ -- مَن لمْ يَقُلْها فنفسَهُ ظلما
علمًا أنّ الفضل في البَسْمَلة “باٌسمِك اللهُمّ” يعود إلى أميّة بن أبي الصّلت المتوفّى عام ٦۲٤ م الموافق السنة الثانية هـ. وهو القائل
هو اللَهُ باري الخلقِ والخلقُ كُلُّهُم -- إماءٌ لهُ طوعاً جميعاً وأَعبُدُ
وأنَّى يَكونُ الخلقُ كَالخالِقِ الذي -- يَدومُ ويَبقى والخليقة تنفدُ

أمّا الأمثلة في النثر فكثيرة أيضًا، قد اخترت منها التالي؛ قال قسّ بن ساعدة الإيادي: «كلّا بَلْ هُوَ إلهٌ واحد، ليس بمولودٍ ولا والد، أعاد وأبدى، وإليهِ المآبُ غدا» وقال «كلّا بل هو الله الواحد المعبود، ليس بوالد ولا مولود» وهو القائل « يا معشر إياد، أين ثمُودُ وعاد، وأين الآباءُ والأجداد، أين المعروف الذي لم يُشكر، والظلمُ الذي لم يُنكر؟ أقسَمَ قسّ بالله إنّ للهِ لـــدِينًا أرضى مِن ديـنِكمْ هذا» علمًا أن قسّ بن ساعدة هو أوّل مَن ذكر عبارة الرسائل الشهيرة «أمّا بَعْدُ» وهو صاحب المقولة الشهيرة: «البيِّنة على من اٌدّعى واليمين على مَن أنكر» وغير ذلك

وورد في المرجع المذكور للأب اليسوعي العلّامة لويس شيخو ص ۱۲۸ وما تلاها أنّ «الحارث بن كعب» قبيلة يمنيّة تنتسب إلى مذحج إلى كهلان احتلّت نجران ونواحيها وتنصّرت وحسُنت نصرانيّتها ويظهر أنّ الحارث بن كعب جَدّ هذه القبيلة مات نصرانيًّا فإننا قد وجدنا في النسخة الخطّيّة من التذكرة الحمدونيّة ما حَرْفه: {أوصى الحرث بن كعب بنيه فقال: يا بنِيَّ قد أتت عليّ مِائة وستون سنة ما صافحَتْ يميني يمين غادر ولا قنعت نفسي بخلّة فاجر ولا بُحتُ لصديق بسِرّ ولا طرَحَتْ عندي مومسة قناعًا ولا بقِيَ على دين عيسى بن مريم أحَدٌ غيري وغيرُ تميم بن مرّ وأسد بن خُزيمة. فموتوا على شريعتي واحفظوا وصيّتي وإلهَكم فاٌتقوا يكفكم المهمّ من أموركم ويُصلح لكم أعمالكم وإيّاكم والمعصية لئلا يحلّ بكم الدمار وتوحش منكم الديار... فإن لزوم الخطيّة تعقب البليّة} انتهى. والحرث أي الحارث، مثلما تكتب الرحمان هكذا: الرحمن. وورد في المرجع تاليًا: {وهناك حاشية رواها ابن حمدون: إن النصارى في العرب كثير وبني الحرث بن كعب كلهم نصارى} انتهى

وقد اقتطفت ممّا أردف الأب اليسوعي ما هو جدير بالذكر أيضًا: وكانت نجران تحت حكم بني الحارث... وكان من أشرافهم بنو عبد المُدان بن الديّان الذين شادوا كعبة نجران وكنيستها المعروفة بالقلّيس التي أفاض الكتبة في وصف محاسنها، كما رأيت في الباب المختصّ بنصرانيّة أهل اليمن. وبقِيَ بنو الحارث بن كعب على نصرانيّتهم بعد ظهور الإسلام، كما يؤخذ من كتاب الوفادات لابن سعد، حيث صالحَهُم نبيّ المسلمين على شروط عدّدها هناك ولم ينبذوا دِينهم. وممّا رأيناه في إحدى مخطوطات مكتبة قديمة في حلب منسوبًا إلى شاعر مِن بني الحارث الأبيات التالية المُشيرة إلى دينهم القويم
ألا أننا مِن مَعْشر سبقت لهمْ -- أيادٍ من الحسنى فعُوفوا من الجهلِ
ولم ينظروا يومًا إلى ذات مَحْرَمٍ – ولا عرفوا إلّا التقيّة في الفعلِ
وفينا من التوحيد والعقل شاهدٌ -- عرفناهُ والتوحيدُ يُعرَف بالعقلِ
نعاين مِن فوق السّماوات كلّها – معاينة الأشخاص بالجوهر المَجْلي
ونعلم ما كنّا ومن أين بَدؤنا – وما نحن بالتصوير في عالم الشكلِ
وإنّا وإن كنّا على مركب الثرى – فأرماحُنا في عالم النور تستعلي
وما صَعِدَتْ لم تختبرْهُ وإنما – رأت ذاتها بالنور في العالم العقلي
فلم ترض بالدنيا مقامًا فآثرتْ -- حقيقة ممثولٍ وجلّتْ عن المِثلِ

وفي «لسان العرب» القُلَّيْسُ، بالتشديد، بـِيعَة للحَبَش كانت بصَنعاء بناها أبْرَهة وهدّمتها حِمْيَر. وعن ابن الأَعرابي التُّـقاةُ والتَّـقِيَّةُ والتَّـقْوى والاتِّـقاء كله واحد. أمّا قول الأب لويس شيخو “في الباب المختصّ بنصرانيّة أهل اليمن” فإشارة إلى أحد أبواب كتابه المذكور أعلى وفيه أيضًا أخبار تنصّر حِمْيَر، أضاف إليه قول الفيروزاباديّ: {إنّ كثيرًا من ملوك اليمن والحِيرة تنصّروا} انتهى. مع أطيب المنى

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا