ليس من الحقّ في شيء ربط زخم الثورات العربية المتصاعدة اليوم، من حيث آثارها وتداعياتها، بالفتنة الطائفية، أو بأنها مدخل من مداخل محنة تتربّص بالمسيحيين العرب. فما قامت هذه الثورات، في جانب منها، إلا طمعا في استعادة روح كائن مقهور سليبة. فالمسيحي العربي مستلهِما سيرة مخلّصه، يأبى أن يكون خارج هذا الثوران الاجتماعي، ويتعذّر أن يبرأ بنفسه ليغدو نائيا فوق الربوة، وهو الذي ذاق من كأس التعفن البنيوي لواقعنا مرارا، هذا الواقع الذي لم يبق أمل في إصلاحه إلا بالتحريض عليه.

فقد يستعجل البعض وعودَ الثورة، مع أنهم لم يستعجلوا مع من سرقوا منّا العمر والثروة، فالشعوب الثائرة تخلّق مفاهيم ثورتها وإنجازات مسارها تخليقا، مع فجر كل يوم جديد. فلا ينبغي أن نحمّل الثورة تعدّيات حصلت أثناء المسار، كان ضحيتها إخوة مسيحيين. ذلك أن هدف الثورة المجيدة، الذي نراه قريبا ويرونه بعيدا، أن يُبنى وطن رحب، لا يضيق بأبنائه.

كنت قد قرأت مقالا صدر في جريدة "النهار" اللبنانية بتاريخ 13 أيار 2011 للأب جورج مسّوح بعنوان: "الثورة والفتنة الطائفية"، وقد حزّ في نفسي استعجاله جني حصاد الثورة، فصبرٌ جميلٌ، فالثورة إن لم يصنعها أناس ولم يترجمها أناس، لن تتنزّل سلاما ومسرّة من السماوات العلى.

وقد يخشى البعضُ الثورةَ، فرَوْعها في وجدانهم كهَوْل القيامة، والحقيقة أن الثورة لا تستجدي أحدا للثوران، ومن لم ينضج حلمه فليهْنأ بعيشه. ولكن أن يسعى من أُعطِي صولجان البطركة والمطرنة بين الناس بالتخويف والتثبيط، منذرا من تداعيات الثورة على المسيحي، وساعيا في حشد إخوة الدين ضدها، داخلا وخارجا، فهو حكم على الجنين وهو في طور التخلّق.

وإن خوَّف البعضُ من مخاطر اندثار المسيحيين العرب، فالجلي أن تآكل المسيحية العربية قد تلازم مع صعود تلك الدويلات القهرية التي تربّعت على صدورنا من الخليج إلى المحيط، وإن ادعت القومية والعروبة والإسلام والتحرّرية. فهي على حد سواء في طبعها الطارد للمسيحي العربي، فما بالنا نخشى وتلك الدويلات تتهاوى الواحدة تلو الأخرى.

ففي راهننا بقدر ما يحتاج الإسلام السقيم إلى ثورة تهزّ إطاره الاجتماعي الحاضن، فإن المسيحية الجريحة أحوج إلى ثورة تهزّ حاضنتها الاجتماعية، علّها تتعمّد من أدران الدهور. فكل واقع مسيحي أنتج ثورته اللاهوتية: من لاهوت الكنيسة السوداء، إلى لاهوت الثورة، إلى اللاهوت النسوي، إلى لاهوت السياسة وغيره، إلاّ الواقع العربي فهو لا يزال ينتج لاهوت تآكله المسيحي. فالمسألة ليست جرّاء الأصولية كما يزعمون، ولا بفعل الإرهاب كما يفسرون، أو بموجب شتى صنوف التضييق الحاصل، لأن مجمل تلك المسائل هي أعراض ناشئة عن الدولة الفاسدة والمفسدة، التي صُنِعت لنا واحتمينا بظلّها مسيحيين ومسلمين، بل المسألة نراها في ما هو أبعد.

ذلك أن ثمة سمة بارزة تطبع المسيحية العربية في الزمن الحديث، تتمثّل في طابع التشتّت الطاغي عليها، وربما من هذا الباب كان الأستاذ مشير باسيل عون في كتابه: "الفكر العربي الديني المسيحي"، الصادر عن دار الطليعة في بيروت، محقّا حين أشار إلى أن ما يعوز الفكر المسيحي الحديث في البلاد العربية هو التجذّر الاجتماعي والحضاري، بما خلّف لديه من تشتّت في الرؤى وموالاة للخارج. حقّاً قال، فالمنبَتّ لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع.

فذلك الإنسان البسيط، الذي بات في عداد الجدث، انطلقت قيامته من تونس وأتاهم من حيث لم يحتسبوا، سدّوا أمامه كافة المنافذ وأعماهم الله عن سدّ طريق الثورة. لذلك لي أمل كبير في هذا الانبعاث علّنا نتطهّر من لغْو حوارنا الإسلامي المسيحي الزائف، ومن ادعاءات التسامح الفاجر. فكم من ملتقيات للحوار أقيمت في بلاد المغرب، ولا يزال الإنجيل فيها مطارَدا كالأفيون، وكم من جلسات للحوار والكلام الجميل عُقدت في الخليج ودور العبادة المسيحية لا تزال موصدة، وكم من ادعاءات بالتعايش في المشرق ولا يزال الموت يحصد المستضعفين من أتباع عيسى وأحمد. لذلك أومن أن الحوار الإسلامي المسيحي يبدأ مع الثورة، أما ما ساد قبلها فقد كان فيه الكثير من الرياء والمراء.

لا شك أن هناك تعديات حاصلة، من حين إلى آخر، لحقت وتلحق بالمسيحيين منا، وهي تعديات أليمة، نراها بفعل ثقافة عيش موبوءة وعفنة خلّفها لنا الذين ساقوا الشعوب بالغلبة. فبلاد عربية لم تعرف مكوّناتها الاجتماعية والسياسية والمذهبية سبيلا للحوار، داخل الدين الواحد، غرّتنا في غفلة منا أقوال من زعموا دعم الحوار بين المسلم والمسيحي. ولكن مهْما حصلت من عثرات، أو سقطات، أو تعديات، في هذا المسار الشائك كان ضحيتها الإخوة المسيحيين، فلن يكون العصر الآفل أفضل، فقيامة المسيحية العربية في ما سيأتي لا في ما ولّى وانقضى.
فمنذ أن تنبّه لصوص السلطة في البلاد العربية إلى ما للدّين من قوة إنهاض، سلبوا الشعوب مؤسّساتها الرمزية، وحوّلوها إلى قطاع تابع وأوْقاف سلطانية، وبات القائمون عليها من بطاركة ومطارنة، وشيوخ ومفتين، سندا لحكّام ضلّوا وأضلّوا. إذْ لم تتعرّ المؤسسة الدينية الرسمية، بشقيها الإسلامي والمسيحي، مثلما تعرّت هذه الأيام. ذلك أن رهطاً من رجال الدين المسيحيين والمسلمين، وهُم على قدم المساواة في ذلك، قد خدموا نُظما قاهرة عقودا، وبالتالي لا يرجى منهم أن يحالفوا بين عشية وضحاها الثورة، فقد صاروا جزءا من تلك الأنظمة ومن خطابها الإنجيلي والقرآني المنحول.

شباب مصر من الأقباط خرجوا إلى الثورة وما كانوا من المخلَّفين، مع أن كهنة السلاطين من حملة الصليب، استثقلوا خروجهم. حدسُ الإيمان دلّ الشباب، أن المسيح ما كان للطّاغين نصيرا، فالمجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا