متى يبدأ الله بإعلان دينونته على أي شعب أو بلد؟  وما الذي يوقف تلك الدينونة؟

يبدأ الله بإعلان دينونته على أي شعب عندما تَفْسُد القيادة الروحية في ذلك البلد.

لقد أرسل الله رسالة دينونة لشعبه في هذه الأرض على فم نبيه إرميا قائلاً:

" لأَنِّي هَئَنَذَا دَاعٍ كُلَّ عَشَائِرِ مَمَالِكِ الشِّمَالِ (البابليين) يَقُولُ الرَّبُّ فَيَأْتُونَ وَيَضَعُونَ كُلُّ وَاحِدٍ كُرْسِيَّهُ فِي مَدْخَلِ أَبْوَابِ أُورُشَلِيمَ وَعَلَى كُلِّ أَسْوَارِهَا حَوَالَيْهَا وَعَلَى كُلِّ مُدُنِ يَهُوذَا." إرميا 1: 15. والسبب هو أنهم تركوا الله وعبدوا الأوثان (عدد 16). أيضًا رأينا في التأمل السابق أن عبادة الأوثان هي ليست بعيدة عن الكنيسة لأن الكتاب ينظر إليها باعتبارها عدم وضع الرب أوَّلا ووحيدًا في حياتنا الخاصة كأفراد، وفي كنائسنا وخدماتنا كجماعة. وأنها أيضًا ممكن أن تظهر من خلال الكثير من الأمور السلوكية مثل إعطاء السيادة لـ: الحكمة البشرية، الذات، المناصب، الطمع، العناد، التمرد، المال والأمور الدنيوية ... إلخ. وأشياء أخرى كثيرة ممكن أن تأخذ سيادة وأولوية الرب على حياتنا وعلى كنائسنا.

سنرى الآن من الرب تفصيل واضح عن كيفية ترك الشعب للرب ؟ وماذا كانت النقطة التي جعلت الرب يختم على دينونته لشعبه في هذه الأرض في زمن النبي إرميا؟

كما يبين لنا الرب أن ترك الشعب له قد صار على ثلاث مراحل:

" هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: مَاذَا وَجَدَ فِيَّ آبَاؤُكُمْ مِنْ جَوْرٍ حَتَّى (1) ابْتَعَدُوا عَنِّي (2) وَسَارُوا وَرَاءَ الْبَاطِلِ (3) وَصَارُوا بَاطِلاً؟ " إرميا 2: 5.

لقد كانت المرحلة الأولى التي مر فيها الشعب هي الابتعاد عن الرب والفتور. بعدها بدأ الشعب السير وراء الباطل أي الجسد وأعمال الشرير. والمرحلة الثالثة هي أن الشعب أصبح باطلا، أي مثل باقي الأمم البعيدة عن الله. حتى في بعض النصوص أعلن الله أن شعبه أصبح أسوأ من الشعوب التي طردها من الأرض بسبب الخطية (مثل ما عمله الملك منسّى والذي كان أحد أسباب الدينونة والسبي، أرميا 15: 4  و2 أخبار 33: 9). وهكذا في حياتنا الخاصة، فعندما لا نطرد الفتور الروحي والابتعاد عن الرب حالاً وسريعًا، تبدأ حينئذ الخطية تقتحم حياتنا وقلوبنا، وبعدها من الجائز أن يصبح سلوكنا مثل أهل العالم. كما خاطب بولس المؤمنين في كنيسة كورنثوس ووصفهم بأنهم جسديين ويسلكون بحسب أهل العالم، " لأَنَّكُمْ بَعْدُ جَسَدِيُّونَ. فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَانْشِقَاقٌ أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ الْبَشَرِ؟" 1 كورنثوس 3: 3.

لقد رأينا، من خلال سفر إرميا، أن أكثر شيء أزعج الرب من أي شيء آخر، وجعله ينظر للوضع على أنه وصل إلى أقصاه، هو فساد القيادة الروحية في وسط الشعب، حيث تابع بقوله:

" 8 اَلْكَهَنَةُ لَمْ يَقُولُوا: أَيْنَ هُوَ الرَّبُّ؟ وَأَهْلُ الشَّرِيعَةِ لَمْ يَعْرِفُونِي وَالرُّعَاةُ عَصُوا عَلَيَّ وَالأَنْبِيَاءُ تَنَبَّأُوا بِبَعْلٍ وَذَهَبُوا وَرَاءَ مَا لاَ يَنْفَعُ 9 لِذَلِكَ أُخَاصِمُكُمْ بَعْدُ يَقُولُ الرَّبُّ وَبَنِي بَنِيكُمْ أُخَاصِمُ." أرميا 2.

فبالنسبة لله، القيادة الروحية والكنيسة في البلد هي عمود الحق وقاعدته (1 تيموثاوس 3: 15)، وعندما تفسد الكنيسة يزلزل الله كل شيء في البلد لكي يأتي بتغيير، لأنه يغار على اسمه القدوس وشهادته. ليس المهم حجم الكنيسة أوتعدادها، بل هل هي سائرة تحت قيادة وسيادة الرب أم لا. وهذا أهم شيء ركّز عليه المسيح في خدمته – القيادة الروحية. لذلك نرى أن المسيح لم ينتقد القيادة السياسية الرومانية إطلاقًا، بالرغم من ظلمها وطغيانها الشديد. بل ركز على القيادة الروحية دائمًا، أي الفريسيين والكتبة، محاولاً فضح شرها وفسادها، ومن ثَمّ إصلاحها، ودعوتها إلى التوبة لأنها هي المفتاح لتغيير البلد. ومع عدم استجابة القيادة الروحية إلى دعوته للتوبة، ختم المسيح على دينونة الأرض باكيًا:

" 41 وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ (أورشليم) وَبَكَى عَلَيْهَا 42 قَائِلاً: «إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضاً حَتَّى فِي يَوْمِكِ هَذَا مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ. وَلَكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ. 43 فَإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ 44 وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ (دينونة قاسية) لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ." لوقا 19. (السبب كما أعلنه المسيح هو، أن شعب الرب، وخاصة القيادة فيه، لم يتُوبوا ولم يقبلوا مسيحهم المنتظر: يسوع).

هذا لا يعني أن الله لا يقيم أحيانًا أناساً مؤمنين سياسيين لهم دعوة خاصة لمواجهة الظلم وعدم العدل في نظام الحكم. لكن هذه ليست الدعوة العامة للكنيسة على الإطلاق.

فالمسيح لم يدعُ الكنيسة لترقيع الملكوت الأرضي غير القابل لإصلاح، بل للعمل للملكوت السماوي الكامل الصّلاح.

لذلك عندما نمر ككنيسة في حالة حرب في البلاد، يجب أن نفحص أنفسنا، لأن حالة القيادة الروحية هي الميزان الذي يحدد وضع وحالة البلاد، وليست حالة الوضع السياسي. لقد قال بطرس أن قضاء الرب يبتدئ من الكنيسة:

" 17 لأَنَّهُ الْوَقْتُ لاِبْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ اللهِ. فَإِنْ كَانَ أَوَّلاً مِنَّا، فَمَا هِيَ نِهَايَةُ الَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ اللهِ؟ (طبعًا أكثر بكثير) " 1 بطرس 4. لكن في معظم الأحيان ككنيسة نصلي للأرض صلوات تحمل في معناها أننا نحن الصالحين الأبرار، والمشكلة هي في غير المؤمنين والحكومات وليست فينا. لكن المفتاح الذي يطرحه هنا الكتاب هو توبة وإصلاح الكنيسة أولاً، كما صلى نحميا قائلاً: "... فَإِنِّي أَنَا وَبَيْتُ أَبِي قَدْ أَخْطَأْنَا." (نحميا 1: 6) وكما صلى دانيال: "يَا سَيِّدُ لَنَا خِزْيُ الْوُجُوهِ لِمُلُوكِنَا لِرُؤَسَائِنَا وَلآبَائِنَا لأَنَّنَا أَخْطَأْنَا إِلَيْكَ." (دانيال 9: 8). لأن الكنيسة هي الميزان الذي يحدد مصير الأرض وليس السياسة والسياسيين.

فدعوة البناء، التغيير والإصلاح، موضوعة على عاتق الكنيسة:

" 3 لأَنَّكِ تَمْتَدِّينَ إِلَى الْيَمِينِ وَإِلَى الْيَسَارِ وَيَرِثُ نَسْلُكِ أُمَماً وَيُعَمِّرُ مُدُناً خَرِبَةً." أشعياء 54.

وهي التي ينبغي أن تقود سير الرؤساء والملوك وليس العكس:

" 2 لأَنَّهُ هَا هِيَ الظُّلْمَةُ تُغَطِّي الأَرْضَ وَالظَّلاَمُ الدَّامِسُ الأُمَمَ. أَمَّا عَلَيْكِ  فَيُشْرِقُ الرَّبُّ، وَمَجْدُهُ عَلَيْكِ يُرَى. 3 فَتَسِيرُ الأُمَمُ فِي نُورِكِ، وَالْمُلُوكُ فِي ضِيَاءِ إِشْرَاقِكِ." أشعياء 60.

لكن هذا لا يعني أن الكنيسة يجب أن تنخرط في السياسة، كما قلنا هذه ليست دعوة الكنيسة. فإذا تأمَّلنا في صلوات الأنبياء لبلدهم وشعبهم، نرى أنه يكاد أن لا يكون أي تركيز على الاحتلال أو القيادة الظالمة أو السياسة العامة ...إلخ. لكن دائمًا كان تركيزهم على الإصلاح الروحي في الشعب، أي الكنسي. وعندما نتكلم عن الكنيسة نتكلم عن قادة الكنيسة أوَّلاً، لذلك عندما يبدأ الرب بإبراء الأرض يصلح القيادة الروحية أولاً:

" 14 اِرْجِعُوا أَيُّهَا الْبَنُونَ الْعُصَاةُ يَقُولُ الرَّبُّ لأَنِّي سُدْتُ عَلَيْكُمْ فَآخُذَكُمْ وَاحِداً مِنَ الْمَدِينَةِ وَاثْنَيْنِ مِنَ الْعَشِيرَةِ وَآتِي بِكُمْ إِلَى صِهْيَوْنَ 15 وَأُعْطِيكُمْ رُعَاةً حَسَبَ قَلْبِي فَيَرْعُونَكُمْ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْفَهْمِ." إرميا 3.

يجب أن ندرك أن الرب استأمنّا ووضع على عاتقنا كخُدَّام مسئولية مصير الكنيسة والبلد. فالكل يبتدئ منا، وليس من الرعية.

فلنأخذ قرارًا كخدام أن نرجع إلى الرب بقوة من قلوبنا، ونعترف بخطايانا في تواضع وانكسار، أمام الله والرعية. كما صلى إرميا معترفًا بخطاياه وأيضًا بخطايا رؤساء العشب قائلاً:

" لِيَأْتِ كُلُّ شَرِّهِمْ أَمَامَكَ. وَافْعَلْ بِهِمْ كَمَا فَعَلْتَ بِي مِنْ أَجْلِ كُلِّ ذُنُوبِي لأَنَّ تَنَهُّدَاتِي كَثِيرَةٌ وَقَلْبِي مَغْشِيٌّ عَلَيْهِ." مراثي 1: 22.

" 37 مَنْ ذَا الَّذِي يَقُولُ فَيَكُونَ وَالرَّبُّ لَمْ يَأْمُرْ؟ 38 مِنْ فَمِ الْعَلِيِّ أَلاَ تَخْرُجُ الشُّرُورُ وَالْخَيْرُ؟ 39 لِمَاذَا يَشْتَكِي الإِنْسَانُ الْحَيُّ الرَّجُلُ مِنْ قِصَاصِ خَطَايَاهُ؟ 40 لِنَفْحَصْ طُرُقَنَا وَنَمْتَحِنْهَا وَنَرْجِعْ إِلَى الرَّبِّ. 41 لِنَرْفَعْ قُلُوبَنَا وَأَيْدِينَا إِلَى اللَّهِ فِي السَّمَاوَاتِ 42 نَحْنُ أَذْنَبْنَا وَعَصِينَا..." مراثي 3.

أين قوات الاحتلال البابلية والظلم السياسي من هذه الصلوات؟ أين المقالات التي يكتبها خدام الرب ليشجبوا الاحتلال والظلم البابلي؟ طبعًا سوف لا نراها تصدر من إرميا على الإطلاق. لأنه، كرجل الله، يدرك أن المفتاح لتغيير البلد والنظام هو الخضوع للاحتلال البابلي كما سنرى من خلال التأملات القادمة، والتوبة والرجوع إلى الرب. لأن الرب سيغير كل شيء في هذه الأرض إذا رأى قيادة كنسية: عابدة، مؤمنة، مُحِبّة، تابعة، مطيعة من القلب.

يا رب، ارحمنا.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا