إن الكتاب المقدس يعلِّم أن الأرض هي للرب وله السلطان التام لأن يعطيها لمن يشاء. فعندما يحتل شعب أرض لشعب آخر، هذا يجعلنا نتصادم مع الكثير من الأسئلة والحقائق الصعبة والتي سنحاول أن نتعامل معها في هذا التأمل.

إن الأرض هي للرب ونرى هذا في الكثير من النصوص مثل: خروج 9: 29  ومزمور 24: 1  و47: 7  وأشعياء 14: 2  وهوشع 9: 3  و1 كورنثوس 10: 26 و28.
أما في إرميا فيركز الرب أيضًا على أنه صاحب الأرض، ويعطيها لمن يشاء فيقول:
" 5 إِنِّي أَنَا صَنَعْتُ الأَرْضَ وَالإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ الَّذِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ بِقُوَّتِي الْعَظِيمَةِ وَبِذِرَاعِي الْمَمْدُودَةِ وَأَعْطَيْتُهَا لِمَنْ حَسُنَ فِي عَيْنَيَّ." إرميا 27. وفي 2: 7، يقول الله للشعب باستياء: "... نجستم أرضي.."، لأن الله يعتبر نفسه هو الملك على الأرض أيضًا (46: 18). عندما ارتفع وافتخر نبوخذنصَّر ملك بابل الذين سمح لهم الرب لاحتلال هذه الأرض على زمن إرميا النبي، وأراد أن يرفع سلطانه فوق سلطان الله، أطلق عليه الله دينونته من خلال دانيال وقال:
" 32 وَيَطْرُدُونَكَ (عن نبوخذنصر) مِنْ بَيْنِ النَّاسِ وَتَكُونُ سُكْنَاكَ مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّ وَيُطْعِمُونَكَ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ فَتَمْضِي عَلَيْكَ سَبْعَةُ أَزْمِنَةٍ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ الْعَلِيَّ مُتَسَلِّطٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ وَأَنَّهُ يُعْطِيهَا مَنْ يَشَاءُ." دانيال 4 (و4: 17 و25) وأيضًا في دانيال 5  " 21 ...أن الله العلي سلطانٌ في مملكة الناس وأنَّه يقيم عليها من يشاء."
إذًا الله هو المتسلط على جميع ممالك البشر ويعطيها لمن يشاء.

هذا أيضًا ما علمه يسوع، حيث قال لبيلاطس رئيس حكومة الاحتلال الروماني:
" 11... لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ..." يوحنا 19. وأيضًا يشهد بولس أمام أناس يونان لا يعرفون الإله الحقيقي، ليبرز لهم سلطانه ومجده وعظمته فوق جميع الآلهة التي يعبدوها، حيث يقول لهم عنه:
" 26 وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ 27 لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيداً. 28 لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ..." أعمال 17.
في عدد 26، يشهد بولس هنا أن جميع البشر خلقوا من نفس الدم، دم آدم وحواء، وأن الله حتَّم بالأزمنة والأوقات وأين يسكن الشعوب والبشر، ورسم حدود الدول والشعوب.
وفي عدد 27، يعلن أن هدف الله من وراء الأحداث التي تحدث مع الشعوب وتقسيمهم، والتي ممكن أن يكون تقسيمها من خلال ظروف مؤلمة، هو أن يعرفوا الله ويؤمنوا بالمسيح. فكل ما يعمله الله على الأرض من جهة توزيع الشعوب ورسم حدود الدول، له علاقة في خطة ملكوت الله العليا النهائية، وذلك لمنفعة الإنسان وإظهار مجد يسوع المسيح.
وفي عدد 28، يظهر بولس أن الله هو أساس كل حركة وحياة على هذه الأرض. الهواء الذي نتنفسه، كل رمشة عين نرمشها، كل حركة نفعلها، كل قشة وريح يتحرك على هذه الأرض، وكل ما يخطر على بالنا ولا يخطر على بالنا، هو مستمد من الله، لأن به نتحرك، ونحيى، ونوجد. وهنا قد أعطى بولس كل الاحتمالات الممكنة التي ثابتة عليها كل الخليقة: الحركة والحياة والوجود.

فعندما نتعلم أن الله هو الذي يحدد توزيع الشعوب والحدود والدول، والله هو الذي يسمح أحيانًا لشعب بأن يحتل شعب آخر، كما راينا في كتاب إرميا وفي أرضنا هذه في القرن الأخير. وعندما نقرأ آيات تدعونا للخضوع لترتيبه وللسلاطين الفائقة (رومية 13  وتيطس 3: 1-2  و1بطرس 2: 17)، هذا سيجعلنا نتصادم مع العديد من الأسئلة الصعبة والمحيرة، التي سنحاول الإجابة عليها من خلال سفر إرميا.

عندما يسمح الله بأن يحتل شعب، شعب آخر:

هل هذا يعني أن الله بجانب الدولة التي احتلت، وضد التي وقعت تحت احتلال؟

بالطبع لا، فبالرغم من أن الله يظهر في بداية سفر إرميا أنه هو الذي أرسل أو دعا البابليين ليحتلوا الأرض:
" 15 لأَنِّي هَئَنَذَا دَاعٍ كُلَّ عَشَائِرِ مَمَالِكِ الشِّمَالِ يَقُولُ الرَّبُّ فَيَأْتُونَ وَيَضَعُونَ كُلُّ وَاحِدٍ كُرْسِيَّهُ فِي مَدْخَلِ أَبْوَابِ أُورُشَلِيمَ وَعَلَى كُلِّ أَسْوَارِهَا حَوَالَيْهَا وَعَلَى كُلِّ مُدُنِ يَهُوذَا." إرميا 1.
إنما بحسب فهم الكُتَّاب الذين كتبوا العهد القديم بوحي من الله، إن الله يستخدم هذه الصيغة في كل الكتاب المقدس ليبرز أنه هو المتسلط على كل صغيرة وكبيرة تدور على الأرض. فالكتاب لا يستخدم إطلاقًا صيغة: " إبليس عِمِل.." بجميع مشتقاتها، لكي يبرز أن الله وحده المسيطر على كل صغيرة وكبيرة تحدث على الأرض. كما يتساءل عاموس بتعجب ويقول: "... هَلْ تَحْدُثُ بَلِيَّةٌ فِي مَدِينَةٍ وَالرَّبُّ لَمْ يَصْنَعْهَا؟" (عاموس 3: 6). طبعًا الله لا يفعل الشرور ولا يبث أفكار الشر للأمة المعادية، لكنه هو الذي يعطي التأشيرة الأخيرة لكل ما يحدث على الأرض، وذلك ينطبق على أصغر الأشياء من سقوط العصافير وحتى شعرة واحدة من رأس الإنسان (متى 10: 29-30)، وإلى أعظمها.
ولكي يوضح لنا الوحي هذا، أعلن الله أن البابليون كانوا ظالمين وناهبين وشمتوا بهزيمة شعب الله:
" 11 وَتَكُونُ أَرْضُ الْكِلْدَانِيِّينَ غَنِيمَةً... 11 لأَنَّكُمْ قَدْ فَرِحْتُمْ وَشَمِتُّمْ يَا نَاهِبِي مِيرَاثِي..." (إرميا 50).
وإن الله مساءٌ جدًّا على ما فعلوه (إقرأ كل أرميا 50). ولقد أعد الله دينونة لبابل حيث أنها ستبقى خرابًا إلى الأبد:
" 26 فَلاَ يَأْخُذُونَ مِنْكَ حَجَراً لِزَاوِيَةٍ وَلاَ حَجَراً لأُسُسٍ بَلْ تَكُونُ خَرَاباً إِلَى الأَبَدِ يَقُولُ الرَّبُّ." (إرميا 51). وفعلاً، كما رأينا على مر العصور، صدقت نُبُوَّات الكتاب المقدس، فبابل لا زالت تل أنقاض وخراب إلى هذا اليوم.

لكن ما الذي حدث بشكل مفصل؟ وكيف سمح الله للكلدانيين أن يدخلوا الأرض؟

نرى من قول الرب: " قد نصَبْتُ لكِ شَرَكًا فَعَلِقتِ يا بابل وأنت لم تعرفي.." (50: 24)، أن البابليون بسبب شرهم وطمعهم، أرادوا أن يحتلوا هذه الأرض، والله سمح بأنهم يحتلوها لتحقيق مقاصده التي تختص بملكوته وخلاص شعبه وتنقيتهم وتأديبهم بالحق:
" 28 أَمَّا أَنْتَ يَا عَبْدِي يَعْقُوبُ فَلاَ تَخَفْ لأَنِّي أَنَا مَعَكَ لأَنِّي أُفْنِي كُلَّ الأُمَمِ الَّذِينَ بَدَّدْتُكَ إِلَيْهِمْ. أَمَّا أَنْتَ فَلاَ أُفْنِيكَ بَلْ أُؤَدِّبُكَ بِالْحَقِّ وَلاَ أُبَرِّئُكَ تَبْرِئَةً." (إرميا 46 و30: 11)، ولكنه أيضًا يحب باقي الأمم وهدفه أن يخلصهم أيضًا (منهم البابليين المعادين أنفسهم، دانيال 4: 37 و6: 25-27).
إن الله ليس مع أمة وضد أمة أخرى. وهذا نراه في سفر إرميا، فالله لم يكن راضيًا على البابليين حيث أعلن أنهم سيعاقبون على ما فعلون بالمثل:
" 16 لِذَلِكَ يُؤْكَلُ كُلُّ آكِلِيكِ وَيَذْهَبُ كُلُّ أَعْدَائِكِ قَاطِبَةً إِلَى السَّبْيِ وَيَكُونُ كُلُّ سَالِبِيكِ سَلْباً وَأَدْفَعُ كُلَّ نَاهِبِيكِ لِلنَّهْبِ." (إرميا 30).
لأن ما يزرعه الشعب يحصده، وهذا ينطبق على شعب الله وباقي الشعوب أيضًا، لأن ليس عند الله محاباة، كما قال لشعبه أيضًا: " 19 يُوَبِّخُكِ شَرُّكِ وَعِصْيَانُكِ يُؤَدِّبُكِ..." (إرميا 2).

هل هذا يعني أن الأمة التي احتلت، أبر من الأمة التي وقعت تحت احتلال؟

بالطبع لا، فالله يصف البابليين أنهم باغين وظالمين (50: 31-32)، ومخادعين (50: 36)، وطبعًا عبدة أصنام لذلك سيدين الله أيضًا أصنامهم:
" 2... أُخِذَتْ بَابِلُ. خَزِيَ بِيلُ. انْسَحَقَ مَرُودَخُ. خَزِيَتْ أَوْثَانُهَا انْسَحَقَتْ أَصْنَامُهَا." (إرميا 50).

ولو افترضنا أن أُمة وقعت تحت احتلال كنتيجة لدينونة الله كالشعب عل زمن إرميا النبي،

هل هذا يعني أن الأمة التي وقعت تحت احتلال غير مظلومة لكونها وقعت تحت دينونة الله وتستحق ما حل بها؟

بالطبع لا، فالله يعلن أن شعبه ظلم جدًا من البابليين:
" 33 هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَنِي يَهُوذَا مَعاً مَظْلُومُونَ وَكُلُّ الَّذِينَ سَبُوهُمْ أَمْسَكُوهُمْ. أَبُوا أَنْ يُطْلِقُوهُمْ. 34 وَلِيُّهُمْ قَوِيٌّ. رَبُّ الْجُنُودِ اسْمُهُ. يُقِيمُ دَعْوَاهُمْ لِيُرِيحَ الأَرْضَ وَيُزْعِجَ سُكَّانَ بَابِلَ." (إرميا 50).
كون بعض الشعوب تقع تحت دينونة الله عن طريق استخدام الله لشعوب أخرى معادية، هذا لا يحرر الأمم المعادية من دينونه الله على شرهم. وهذا لا يعني أن الأمة التي وقعت تحت احتلال، كنتيجة لدينونة الله، لم تُظلَم من الأمم المعادية، وهذا لا يعني أن الله سيقف ساكتًا أمام الظلم لأنه يقول أيضًا:
" 4 فَتَسْقُطَ الْقَتْلَى فِي أَرْضِ الْكِلْدَانِيِّينَ وَالْمَطْعُونُونَ فِي شَوَارِعِهَا. 5 لأَنَّ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا لَيْسَا بِمَقْطُوعَيْنِ عَنْ إِلَهِهِمَا عَنْ رَبِّ الْجُنُودِ وَإِنْ تَكُنْ أَرْضُهُمَا مَلآنَةً إِثْماً عَلَى قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ." (إرميا 51).

هل كون الله مسيطر على كل صغيرة وكبيرة، يحرر الإنسان من مسئولية الخطية؟

كما رأينا الله يظهر سلطانه فوق الإرادة الحرة التي أعطاها للإنسان وللشعوب، فبالرغم من أنه هو الذي دعا أو سمح للبابليين ليحتلوا الأرض (1: 15)، وتارةً يسمي بابل كأس ذهب بيد الرب تسكر كل الأرض (51: 7)، إلا أن الله قد حَمَّل بابل مسئولية هذا الشر والعدوان كما رأينا سابقًا. فالله عنده أزمنه وأوقات، فيها يحقق، من خلال إرادة الإنسان والشعوب الحرة، مشيئته لامتداد ملكوته فيقول:
" 6 وَالآنَ قَدْ دَفَعْتُ كُلَّ هَذِهِ الأَرَاضِي لِيَدِ نَبُوخَذْنَصَّرَ مَلِكِ بَابِلَ...7... حَتَّى يَأْتِيَ وَقْتُ أَرْضِهِ..." (إرميا 27). وفيها ستأتي دينونة بابل من ملوك مادي فيقول:
" 11 .. قَدْ أَيْقَظَ الرَّبُّ رُوحَ مُلُوكِ مَادِي لأَنَّ قَصْدَهُ عَلَى بَابِلَ أَنْ يُهْلِكَهَا. لأَنَّهُ نَقْمَةُ الرَّبِّ. نَقْمَةُ هَيْكَلِهِ." (إرميا 51).
وأيضًا كما فعل الرب قبلها بأشور لعدوانهم على إسرائيل:
" 18... هَئَنَذَا أُعَاقِبُ مَلِكَ بَابِلَ وَأَرْضَهُ كَمَا عَاقَبْتُ مَلِكَ أَشُّورَ." (إرميا 50).
فمقدرة الله على تحقيق مشيئته وخطته بالرغم من إرادة الإنسان الحرة، التي تميل غالبًا إلى الشر، يُظهر كم أن إلهنا إله عظيم إلى ابعد الحدود التي ممكن أن نتخيلها.

مثلا إذا لعب الفريق "أ" كرة سلة مع الفريق "ب"، وكان بين فريق "أ" لاعب قوي ومحترف لكن الأربعة الباقين الذين معه ضعفاء جدًا، واتفقوا عمدًا أن يجعلوا فريقهم يخسر. والفريق الخصم "ب" من أقوى الفرق احترافًا. فإذا، بالرغم من عناد وضعف الأربعة من فريق "أ"، تمكَّن الفريق "أ" من الفوز، هذا سيعني أن اللاعب المحترف من فريق "أ" ليس لاعبًا محترفًا فحسب، بل لاعبًا خارقًا وفوق الخيال والقدرات البشرية. نعم إذا كان إلهنا قادر أن يغلب ويحقق مقاصده وامتداد ملكوته بالرغم من "التخبيص" البشري، كنتيجة لعطية الإرادة الحرة التي أعطاها الله للإنسان، هذا يعني أن إلهنا إله خارق وأعظم من أي حدود بشرية ممكن أن نتخيلها.

ألا يستحق هذا الإله أن نخدمه ونعمل في حقله ولملكوته؟ ألا يستحق منا أن نثق به ونشكره على كل شيء؟ ونُعلن أنه يريد الأفضل لشعبنا، ويعرف كيف يحقق الأفضل لشعبنا.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا