ديناميكية الفكرة الّرقمية: من اختبارات السير مع الرب, يتبلور في أذهاننا مبدأ حيويّ ورائع جدّا في يقين الإرشاد الإلهي الصّائب على الدّوام: فكلما تعرّضنا لموقف أو أمر ما  يستلزم أن نتّخذ فيه قرارا صحيحا في أي مجال من مجالات الحياة, كبيرة كانت أو صغيرة, وما لم يحِلْ اليقين الداخلي التام بعد الصلاة لله في ما يتعلّق بهذا الشأن أو ذاك, فهذا يعني: اعتراض الرب على الشروع في الأمر, حتى لو وجد فينا ما نسبته تسعة وتسعون بالمائة من الميل للإقدام عليه, وواحد بالمائة فقط من التردُّد والشك في  الخطوة. ذلك أن الواحد بالمائة من الإرتياب القليل يبتلع, دائما وأبداً, التسعة وتسعين بالمائة من الرغبة القوية في ذات الشأن. متذكرين أن السنابل الرقيقة في حلمي فرعون, اللذيْن فسرهما له يوسف , قد ابتلعت السنابل الممتلئة, وأن البقرات الهزيلات إلتهمت البقرات السّمينات! هذا المبدأ ينطبق على: شراء بنطال أو سيارة؛ اختيار ربطة عنق أو شريك الحياة؛ الإحتفال بإعياد ميلادنا أو عدم الإحتفال بها أحياناً؛ القيام بنزهة أو الهجرة إلى الخارج؛ تناول الدواء أو إجراء عملية جراحية؛ تأجيل زيارة أو تأجيل إحتفال...ما علينا فقط إلاّ أن نغادر الآن مكاننا متجهين إلى خزانة الثياب لننظر ما فيها من الكم الهائل من قطع الثياب المتنوعة التي اقتنيناها ببعض التردد, ولم نرتدها أكثر من مرة واحدة! ها هذه تشهد على تسرعنا الفطري وعلى عدم تمييزنا او خضوعنا للإرشاد الداخلي. على أننا مدركون أن هذه الأمور والأشياء جميعا ليست هي بحد ذاتها غاية السماء القصوى, لكن هناك مقاصدَ أسمى بكثير من كل ذلك, إذ يرمي الآب استخدامها كأدوات فعّالة مظهراً عنايته بنا, لتعميق صداقتنا معه ولتسوية خلقنا حتى نصير شبه ابنه: روائع تحفهِ الحيّة الأبدية. ثيابنا تبلى أما شخصياتنا فتبقى إلى الأبد؛ والجبس الذي يضعه طبيب العظام على اليد المكسورة يزيله بعد أن يلتئم العظم إذ تمم القصد منه.     

لا يفوتني أن أذكر أن ديناميكية الفكرة الّرقمية في هذا المبدأ قد أوردها الرب نفسه في سياق آخر؛ في مثل الخروف الضائع, حيث يترك الراعي التسعة والتسعين خروفا في البرية, ويذهب لأجل الواحد الضال حتى يجده!  
 وربّ متسائل: أإلى هذا الحد يمكن أن يهتم الله, مبدع الأكوان, بأمور بسيطة وصغيرة وربما "تافهة" كهذه في دنيانا!؟

"حذاء بطرس": أجل, نعم, وبالتّأكيد.. وإلا ما الذي عناه الرب بقوله بإن شعور رؤوسنا جميعها محصاة؟ وعلينا ألاّ ننسى "حذاء بطرس" عند إنقاذه من السجن والإعدام, فلقد كان نائما مقيدا ومحاطا بالحرّاس, فيما كانت الكنبسة تصلي بلجاجة إلى الله من أجله.وإذا ملاك الرب أقبل, ونور أضاء في السجن, فضرب جنب بطرس وأيقظه قائلا:"قم عاجلا". فسقطت السلسلتان من يديه. إنما الشيء المثير هو أن الملاك لم يهتم بإنقاذ حياة بطرس من الموت فحسب, بل أمره أيضا في وسط الخطر بأن يتمنطق ويلبس نعليه! آه يا أيها الملاك, إن القضية الآن هي مصيرية؛ مسألة حياة وموت, فما همنا بالحذاء!؟ دعنا نغادر المكان على وجه السرعة, فهل السماء مهتمّة حتى بنعلي؛ أما أرسَلتْك فقط لإنقاذي من ههنا!؟ أجل يا بطرس إن السماء تداولت أدق وأصغر تفاصيل حياتك وإنقاذك, ولم يفتها أن تعهد إلي في كل التدابير لإخراجك سالما سالما, لكن ليس من دون أن يكون في رجليك حذاءك!(أع6:12-10).

"أبو زْريق": وفي غابة الصنوبر التي اعتدت ارتيادها من يوم إلى آخر للشركة والتسبيح والتّمتّع بجمال إبداعات الرب في الطبيعة-الأمر الذي يساهم مع المشي في خفض نسبة الكولسترول الضارLDL)) صحيا وأدبيا- هناك تكثر فيها الأفياء والنسيمات الرّقيقة, والظلال التي تفترش مع شعاعات الشمس مسارات الطريق أمامي, وحضور الرب مع فيالق الملائكة غير المنظورة, كذلك الأزهار والفراشات الحائمة, والطيور المتنوعة الأحجام والألوان, ومن أبرزها طائر"أبو زْريق" الذي وإن كان معظم جسمه مغطى بالريش الرمادي والبني والأسود, حيث أمسكت ذات مرة بواحد منها! إلا أنني وجدت, عن قرب كما عن بعد, أن اللون الأبرز عليه هو الأسمانجوني الأزرق السماوي, مع أنه لا يحتل سوى بقعتين صغيرتبن فوق قوادم جناحيه! ما أبدعه إلها! وما أعظم أعمال يديه! ما هذه الطبيعة غير كتاب مفتوح أمامنا ومقروء ممن يجيدون لغة الإيمان البسيطة.

صوت منخفض خفيف: ها هي السنابل الرقيقة قد ابتلعت السنابل الممتلئة! والبقرات الهزيلات إلتهمت البقرات السّمينات! وها هو  الراعي يترك التسعة والتسعين خروفا في البرية, ويذهب لأجل الواحد!  وأسمانجونيّة أبي زريق الضئيلة طغت على سائر الألوان القاتمة المنتشرة في معظم ريشه! وفي حوريب لم يتواصل الرب مع إيليا, نبيِّهِ المكتئب, لا في الريح, ولا في الزلزلة, ولا في النار, بل بصوت منخفض خفيف, أي بهمس رقيق. وكان ذيّاك الصوت أبلغ وأوضح وأنفع من كل تلك العناصرالثائرة والعنيفة!  فمن غير إهمالنا لكلمة الله أو حيوية الصلاة, وبالروح القدس الساكن فينا, يمكننا التّعرف على تمام إرادته لشتّى نواحي أمورنا, وهو مستعد ومتلهِّف لإعلامنا إياّها. ما علينا الآن سوى التّنبّه إلى ما يوعز به الروح إلى أرواحنا من منْعٍ أو استحسان, وإلى توجيهاته  في ظروف العناية المتناغمة مع هذا أو ذاك. فلِمَ الحيرة بعد اليوم؟ لِمَ ندعها تنهب ثرواتنا؟ فهو قد وعد بأن يعلّمنا ويرشدنا الطريق التي نسلكها. ينصحنا, عينه علينا(مز32:8). لأنه متى كان سعينا من عنده فلا ذرّة ريب تعترينا, بل نجد فيه كل النّعم واليقين, وكل السكينة والآمين.
  
ألف مرة ومرة تجاهلت بعنادي إرشاد صوتك الذي لا يخطئ أبدا.. وفي حماقاتي تبعت العينين والمنطق واصحاب الإختصاص فجاء التيهان, مع أنك راقبته. أثق بك وبكمال طرقك..لذا, من جديد أضع, ومن غير استثناء أو "ما عدا", كل أموري بين يدك. من مواردك العليا أستمد كل ما أحتاج إليه لأصوغ كل قرار مُسِرٍّ..  ولتثبت, يا سيد, مشورتك لحياتي. آآآمين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا