سرورٌ روحي عميق, إحساس بدفْق الحياة, متعة داخلية أصيلة, هذه كلها تجتاح كيان المؤمن الذي استرد لتوِّه شركته مع الرب، بعد انقطاعها لساعات رهيبة بسبب إثم دخيل تسلّل كثعلب بين كروم الحياة النّضرة وعناقيدها المتدليّة. فلقد تمّ التّعامل معه والقضاء عليه بفضل شفاعة الرب يسوع الحاليّة في أفراد شعبه لدى الله أبينا في أعالي السموات. وهكذا يُسمع من جديد رنين أجراس الفرح يدوي قويًّا في رحاب حياتنا ومضايقها.

الآكام تتزعزع, والجبال تزول, والأرض والمجرّات كلها كثوب تبلى, لكن هو هو لا يتغيّر, وإحسانه لن يزول عنّا أبداً, وكذا عطاياه لنا لا يمكن أن يستردها على الإطلاق. " لأنّ هبات الله ودعوته هي بلا ندامة"( رومية 11:29).

قد يحزم الإبن حقائب السفر, ويسافر بعيداً عن ديار أبيه الطّيب, مع كل هذا يبقى الإبن ابناً ولا يغدو غريبا؛ أو قد لا يكرم أباه كما هو حق، بل يهينه أحيانا ويعصيه أحيانا أخرى, هو يمكث في البيت, لكن من دون تواصل مع والده إلى حين تسوية الأمور كما يليق بحقوق مَن أسيء إليه.

فدم ابن الله المسفوك- أي حياته في كيان بشري كامل مبذولة في آلام التّرْك والموت الخلاصي على الصّليب- طهرنا بالتمام من ذنب وعقاب خطايا الماضي والحاضر والمستقبل مرة وإلى الأبد. ومتى اخطأ المؤمن الحقيقي يحتاج إلى الإعتراف لرد شركته, وكلمة الله بفعل الروح تنقِّيه على الدوام من أقذار الخطية وآثارها بناءً على قيمة وفاعليّة ذاك الدّم الغالي الذي سُفك للغفران على أكمة الجلجثة. فكما أن الفيروس الذي يصيب حاسوبنا قد يبطئ سرعته أو قد يقطع اتصالنا بشبكة الإنترنت آنيًّا, ولكنه لا يلغي خط الإنترنت القائم عبر المودم(Modem ) لدينا, هكذا هي الحال بالنسبة إلى خطيئة المؤمن, فهي تجمِّد شركته مع الله إلى حين يتم  علاجها, إنما لا تدمر علاقته به ولا تمسها البتّة.

حقاًّ إن بنوتنا لله في المسيح هي حقيقة ثابتة ثبات شخصية الله وكلمته الباقية إلى الأبد. إننا غدونا أبناء لله بشكل متمايز جداً بالإيمان بالمسيح يسوع. والله لم يخلصنا من الخطايا والمهالك والموت الثاني وحسب, بل أيضا ضمّنا بترحاب عظيم إلى عائلته السّماوية. ففي معرض اندهاشه من تلك المحبة التي نسبتنا إلى عائلة الله, يستوقفنا يوحنا بقوله: "أُنظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله" (1يو3:1)؛ إنه يناشدنا أن نحطَّ رَحْل أفكارنا ونضرب خيام تأملِّنا عند سٌمو فرادة هذا النّسب الجديد الذي رفعتنا إليه المحبة الإلهية؛ إنّه يود, بعبارة أخرى, أن يقول لنا إنّ روْنقَ مشهدِ صيرورتنا أولاداً لله لهو أروع من نمُرّ عليه مرّ الكرام!

إن وعود الرب تتسم بالثبات, وهباته بالدّيمومة, وإيماننا بالإستمرارية. فمن يا ترى يقدر بعد اليوم أن ينزعنا من يده أو يغير هويتنا الفائقة ومقام بنوتنا المجيدة هذه؟!

نعم، أقولها من جديد: تواصُل شركتنا معه قد يتأثر إلى حين, وإذ يقودنا إلى الإعتراف بزلاتنا والإقلاع عنها, فإنه على الفور يعود ليمتعنا من جديد بحضوره وبجريان ينبوع الحياة فينا, مطهراً إيّانا من غبار الخطية ومن نجاسة تلوثنا الأدبي بها, لتنطلق بلابل أرواحنا من أقفاصها حرّة فيما يصدح تغريدها في الأجواء فرَحاً. أمّا علاقة بنوتنا, فلا يشوبها أيٌّ من عوامل التغير أو الإبطال أو التعليق!

ما حدث قد حدث. لا تنظر إلى الوراء, بل إلى رئيس الإيمان ومكمِّله في المجد.. دع السّقطات عند صليبه, ثم ألق همك عليه, متّكئا على مساند أمانة كلامه إذ جعل قرمز معاصينا أبيض من ثلج الحَرْمون. تشدّد بالرب, ولا ترجع إلى الوراء أبداً , بل تقدّم بجراءة على إيقاع الثبات نحو الغرض والجائزة, فلم يتبقّ أمامنا الكثير بعد, حتى نبلغ صرْح السماء الأخّاذ. والآن تناول قيثارة إيمانك، واعزف على أوتارها الفضيّة أنشودة الرِّضى:

تعودُ للرِّضا..
وتُجري فيَّ ينبوعَ الحياةِ
 والغنى.
وكيف لا أذكرها,
لُحيظةَ الغيابِ
وانحسارِهِ؟
مُفعمةً بالموتِ
والذبولِ..
ما أرهبَها!

تعودُ للرِّضا..
كأسرابِ عصافيرٍِ,
فتمرحُ النُّسيماتُ,
وفي الآفاقِ حبٌّ
يترامى..
وصفاءٌ وجمالٌ,
وصدى حمدٍ,
وملءُ الروحِ
ما أغزرَهُ!

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا