كثيراً ما كنا نسمع في حداثتنا -كمسيحيين- أن اللغة العربية هي لغة الإسلام، وأن المسيحيين العرب تحدثوا بها مجبرين بعد دخول الإسلام مصر، ونسي البعض أو تناسى أن اللغة العربية لم تكن مقصورة على المسلمين، لأنها كانت موجودة قبل الإسلام، وتحدث بها بعض من المسيحيين العرب، والمؤسف أن الجيل الجديد من المسيحيين بات لا يعرف إلا القليل من لغتنا العربية الجميلة، وصار عدواً لدوداً للغة العربية، حتى إنك لا تندهش إذا رفض الكثير من المسيحيين الفيلم المزمع إنتاجه تحت عنوان «المسيح العربي»، فالأغلبية المسيحية الرافضة ترى أن المسيح ليس عربيا ولم يتحدث العربية، ولا يصح أن يتم إنتاج فيلم عن المسيح من وجهة نظر إسلامية، فالإسلام ينفي عن المسيح الصلب والقيامة، رغم ان المسيح نشأ وعاش فى أرض فلسطين الشرقية،  كما أنك قد تتعجب إذا عرفت أن بعض من المسيحيين اعترضوا على طالبة مسيحية تدعي «كريستين حنا» لأنها اختارت أن تتخصص في اللغة العربية وتتفوق في دراستها ويتم تعيينها في قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية في كلية التربية ببورسعيد.

لقد استعرب المسيحيون شيئاً فشيئاً، في مصر والعراق وفي الشام وأصبحت اللغة العربية حلقة الاتصال بين جميع المسيحيين في الشرق، وحلت اللغة العربية مكان اليونانية، وربطت بين الروم والسريان والأقباط، والمسيحية التي لا تعرف لغة مقدسة معينة صارت ديانة مقبولة في شتى بقاع العالم، بل انتشرت في الشرق الأوسط بفضل المسيحيين العرب مثل «بطرس البستاني» و «ناصيف اليازجي»، اللذين شاركا في ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة العربية.
لقد بدأ المسيحيون العرب يشعرون بتحديات منذ دخول الإسلام مصر، فالقرينة الجديدة التي عاشوا فيها دفعتهم لصياغة إيمانهم بتعبيرات لغوية بمفردات جديدة، مع حفاظهم علي أسس إيمانهم.

بداية الكتابة العربية
يرى الاب سمير خليل اليسوعي، أنه لا أحد من العلماء يشك أن الخط العربي يرجع إلي أصل مسيحي، فأقدم الكتابات العربية الشمالية وجدت على أبواب الكنائس، مثل «كتابة خرائب زبد، المكتوبة بثلاث لغات اليونانية، السريانية، والعربية سنة 51م، وكذلك نقش حران باليونانية والعربية المنقوش سنة 568م» ويؤكد جواد على، أن الذين كتبوا بالقلم العربي الشمالي، الذي أخذ منه قلم مكة، هم من العرب النصارى، خاصة رجال الدين لحاجتهم إلى الكتابة في تعليم أولاد النصارى الكتابة، وتثقيفهم ثقافة دينية. فكانوا يعلمونها في المدارس الملحقة بالكنائس.

أثري الكثير من شعراء المسيحيين وغيرهم اللغة العربية بتعبيرات لم يسبقهم إليها أحد، فأصبحت وما زالت، على ألسنة كثيرين، ويسرد «لويس شيخو» بعضاً من أبيات الشعر لشعراء المسيحية ما زال يرددها البعض حتي الآن، ففي قصة تتعلق «بحنظلة الطائي» قال «شريك بن عمر»: فـإن يك صدر هذا اليوم ولي فإن غداً لناظره قريب، وعند الحديث عن القناعة بالسلامة قال الشاعر المسيحي «امرؤ القيس»: وقد طوفت في الآفاق حتي رضيت من الغنيمة بالإياب.وهناك بعض من أخبار شعراء المسيحية الأوائل، مثل «حنظلة الطائي» الذي عرف معني الوفاء في النصرانية، وكان شاعراً إنسانيا و «هند بنت النعمان» التي عاشت مسيحية حتي ماتت ولها دير باسمها في الحيرة بالعراق و «عدي بن زيد العبادي» شاعر الحيرة، وله الكثير من الشعر الديني، وكان شعره يعكس إحساسا إنسانياً مسيحياً، والأعشي الكبير، الذي فضله «يدعود» على سائر شعراء الجاهلية، وانتظمت أوزانه الشعرية وأصبحت موسيقاها محببة إلى كل الآذان، وقصائده تصور أفكار مسيحي، يدعو فيها إلى تعاليم مسيحية و «أمية بن الصلت» الذي اطلع على التوراة والأناجيل، وفي شعره الكثير من مقتبسات الكتب المقدسة و «عمر بن كلثوم» الشاعر المسيحي الشجاع، حين كان يمر بالقتلى والجرحى لا يتأثر وكان يعرف العربية كتابة وتدويناً و «قس بن ساعدة»، الذي انتفع الأدباء بشعره في الجاهلية وعرفوا منه أخلاقه وديانته وإيمانه بالمسيحية و«النابغة الذبياني» الذي عكس المعاني النصرانية على بعض صور شعره، وكان من الشعراء الذين كانوا يكتبون العربية و «ورقة بن نوفل» الذي كتب بالعربية من الإنجيل ما شاء أن يكتب، واعتزل عبادة الأوثان في الجاهلية وطلب وقرأ الكتب، وقال في وحدانية الله وقدرته وبقائه.

الدور المسيحي في الترجمة
اختلف الدارسون حول وجود ترجمة عربية للكتب المقدسة ترجع إلى ما قبل الإسلام من عدمه، فقد دافع الاب «لويس شيخو» عن وجود ترجمة عربية في الجاهلية، وتبعه «عبدالمسيح المقدسي» في مقال قيم ظهر في مجلة «المشرق»، أما الدكتور «جواد علي» فلم يستبعد وجود ترجمات للكتاب المقدس في الحيرة، لما عرف عنها من تقدم في الثقافة وفي التعليم. في الوقت الذي كتب فيه «ابن النديم» فهرسته «سنة 988م» كانت ترجمة كل من العهدين القديم والجديد موجودة في العربية في أكثر من تعريب وقد نقل إلينا أن رجلا يسمى «أحمد بن عبدالله بن سلام» قد ترجم التوارة إلى العربية في عهد «هارون الرشيد» وهناك ما يدل على أنه حتى في الشطر الأخير من القرن السابع كانت توجد ترجمات لبعض أجزاء التوراة إلى العربية، أما عن السريانية أو عن الترجمة اليونانية السبعينية.
ويشير «الطبري» في حوادث سنة 61 هجرية، إلى أن «عبدالله» ابن فاتح مصر قد قرأ سفر دانيال ولكن أول ترجمة مهمة للعهد القديم، كانت تلك التي قام بها «سعيد الفيومي المصري» «89 -94م» وهي الترجمة التي ظلت إلي يومنا هذا يعتمدها اليهود الذين يتكلمون العربية.

نشر المسيحيون العرب الكثير من المؤلفات التي تثبت اتفاق العقيدة المسيحية رغم اختلاف الفلسلفات والمصطلحات، ومنذ القرن التاسع الميلادي حتى منتصف القرن الثالث عشر ظهرت عدة مؤلفات لاهوتية مثل: مقالة «لنجم الدين» رداً على «باشوش الضرير»، مقالة «لعلي بن داود الأرفادي»، وهو مؤلف سرياني من أرفاد «بجوار حلب» عاش في مطلع القرن العاشر. مقالة للقس «الملكي أبي علي نظيف بن يمن» الطبيب البغدادي، المتوفي سنة 990م، مقالة لأنبا «سويرس بن المقفع»، أسقف الأشمونيين «بالقرب من ملوي» في صعيد مصر، وهو أشهر مؤلف قبطي في أيامه، وتوفي سنة 1000 ميلادية، مقالة «لابي الفرج عبدالله بن الطيب»، أستاذ الطب والفلسفة الأرسطوطالية، المتوفي سنة 1043م، مقالة «ليحيي بن جرير التكريتي السرياني» داخل موسوعته المعروفة «كتاب المرشد» توفي نحو سنة 1080م، مقالة «لطفي الدولة أبي الفضائل ابن العسال القبطي»، وضعها سنة 136م، وهي باب من أجود كتبه اللاهوتية المعروف «فصول مختصرة في التثليث والاتحاد»

شعراء مسيحيون
بلغ الأدب العربي شوطاً كبيراً قبل عصر الكتابة والتدوين، فكان ينقل شفاهة من جيل إلي جيل ومن موقع إلي موقع واللغة العربية في عصورها الأولي شأنها شأن سائر اللغات، تداولها أصحابها أولا قبل الكتابة. وأدي الاعتماد علي الذاكرة أن يكون للشعر نصيب أوفر من النثر في التدوين فيما بعد، حيث إن الشعر بأوزانه وموسيقاه وقوافيه كان أيسر من النثر للذاكرة، ويورد الدكتور «عبدالمسيح اسطفانوس» بعضاً من النثر المرسل والمزدوج والمسجع، الذي لا يتقيد بوزن أو قافية ويتحد في فواصله في الوزن دون اتفاق في القافية ويعتمد على السجع، فقد قدم السقاف أمثلة من النثر المسجوع قبل الإسلام منها قول «الزبراء الكاهنة»:
واللوح الخافق، والليل الغاسق، والصباح المشارق، والنجم الطارق، والمزن الوادق،....
وقول «ربيعة بن ربيعة» وهو يصف القيامة:
يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون ويشفي فيه المسيئون.....،
كذلك قول الأسقف «قس بن ساعده»:
ليل دارج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض موحاة، وأنهر مجراه، إن في السماء لخيراً وإن في الأرض لعبراً.
ويؤكد د.اسطفانوس على أن هذا النثر الذي وصل إلينا يقدم صورة كبيرة لما كان عليه النثر في ذلك العصر.
كما أن عمالقة حركة الترجمة كانوا فلاسفة ومفكرين مسيحيين أمثال «قسطا بن لوقا»، و «حنين بن إسحاق»، و «يحيي بن عدي»، و «تيموثاس الأول»، و «أبي فرج بن الطيب»، وغيرهم ومن المعروف تاريخيا أن الخليفة العباسي المأمون كان قد أسس «دار الحكمة» في مدينة بغداد، ودار الحكمة هي «دار نشر» اهتمت بنقل التراث الفلسفي غير العربي إلى اللغة العربية وقد برع في دار الحكمة بشكل خاص «حنين بن إسحاق»، العالم السرياني الذي كان يتقن ثلاث لغات إلي جانب السريانية: «الفارسية، واليونانية، والعربية» وقد قام بترجمة العديد من الكتب إلي العربية مثل كتاب «السياسة» لأفلاطون من اليونانية إلي العربية، وفي عهد المأمون «813 -833» ترجم «الحجاج بن يوسف بن مطر الحاسب»، وهو نسطوري من الكوفة، من اللغة السريانية إلي اللغة العربية الكتب التسعة من العناصر لإقليدس.

السواد الأعظم من هؤلاء النصارى كانوا من البلاد الواقعة ضمن الهلال الخصيب، وكانوا في الكثير من الأحيان يجيدون إلي جانب لغتهم الأصلية، أي الآرامية أو السريانية، لغة الثقافة القديمة أي اليونانية، ولغة الفاتحين الجدد: العربية وهذا ما دفع الخلفاء إلى الاستعانة بأعداد كبيرة منهم لنقل ثروات الثقافتين اليونانية والسريانية إلي لغة العرب.
ومهما يكن من أمر فإن الفلاسفة والنقلة المسيحيين كانوا ولسوف يعتبرون دوماً من أعظم من عرفهم التاريخ العربي، فمن يتكلم عن الترجمة عند العرب، لا يسعه إلا أن يذكر «حنين بن إسحاق» وتلامذته، ومن يحصي كبار الفلاسفة العرب منصفا لابد له أن يسجل، إلى جانب «ابن سينا» و «الفارابي»، «يحيي بن عدي» و «أبا بشر متى بن يونس»

لماذا استمرت المسيحية فى مصر؟
يبقى السؤال أيضا لماذا التشديد في هذه الأيام علي انتشار المسيحية في قلب البلاد العربية وإغناء المسيحيين الحضارة العربية ما قبل الإسلام «وبعده أيضا»؟ هل لا نزال نشعر بعقدة الأقلية التي لا تفتأ تحس بشيء من الإمحاء؟ هل يريد البعض أن يقول أن اللغة العربية قد استنبطها المسيحيون لتأكيد عروبتهم تجاه من يخونهم ويجعلهم عملاء؟ والسؤال الأهم اليوم هل بقي من دور مميز للمسيحيين العرب؟ سابقا كانوا وسطاء لنقل المعارف أما الآن فهم يقبعون داخل أسوار كنائسهم، ولعل القارئ للتاريخ يدرك لماذا اندثرت المسيحية في شمال افريقيا، واستمرت في مصر، السبب في رأيي هو التحول الذي طرأ على المسيحيين وانتقالهم لتعلم اللغة العربية والتعبير عن إيمانهم بهذه اللغة.


عماد توماس، باحث وكاتب- مصر مقدمة لأبونا

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا