دفء حضوره: إنه يقترب منّا قربا لا مثيل له.. حتى أن دفء حضوره المتوقِّد يطرد كل إحساس بشتاء الوحدة البارد. فهو لنا المحب الألزق من الأخ. إنما لن يحدث هذا, إلا بعد أن تُظلِم أضواء العالم في أعيننا, وتسكت رنات هواتفنا.. لأننا نُسينا من كثيرين. وفيما يتوحد القلب لخوف اسم الرب, يحضر المعلم بوضوح لم نعهده من قبل, ويُرى جمال يسوع متألقا, ووجهه مدهشا. وفي فم كلٍّ مناّ قرار التسبيحة ذاته: "حقا إن الرب في هذا المكان وأنا لم أعلم" تك28:16. ما ألذ هذا الدفء الأدبي الذي يرافق إقترابه منا! فعلى الرغم من الفوضى والصحراويّة والّلامبالاة حوالينا, فإن أرواحنا تنعم بطمأنينة أصيلة, وهو يبني حياتنا ويلفحنا  بلهيب رضاه.
   والآن, فمع أن العاصفة الثلجية تكتسح أحراج خيامنا, وصوت ألحان الهزار لا يُسمع في الأرجاء, وأسرى الرجاء لم يُطلقوا بعد من الجب الذي لا ماء فيه, فإننا نستمتع بدفء ربيع حضرته الذي ألحق الهزيمة المنكرة بكآبة  شتاء القلب, ونسير فوق تبر أوراق الشجر المتساقطة بخطى واثقة نحو مدينتنا العليا.

أسير مسرعاً إلى       مدينتي العُليــــا
مرتمياً كلّي على        شخصِكَ فاديّـــا
تراكَ عينايَ, ولا        أنظر خلفيـــــــا
كفايتي مجدُ العُلى       وقرب باريّــــــا

     دفء لمسته: عند هذه الحالة الشيقة من الشركة يظن معظمنا أن الذروة قد وطئتها أقدام نفوسنا: فها قطار حياتنا يسير تماما في المسار المحدّد له,  وأوتار قيثارة قلوبنا مدوزنة بدقة بالغة؛ وهي لا تعزف إلا ألحان الحمد والشكر والفرح, لأن الضمير مُطهّربالتمام بدم ابن الله, كما أن سفينة أيامنا تُبحر بسلاسة وهدوء عظيمين وكأن الرياح انعدمت, والمشقة نسيت, والشيطان مضى إلى مصيره الأبدي مقيدا. لكن, وبالرغم من كل هذا وذاك, يبقى هناك إحساس طفيف قوي في دواخلنا: ماذا يعوزنا بعد؟ آه يا سيد الرب! ما هو ذاك الشيء الذي تطلبه؟ إننا بحاجة إلى لمسة أخرى, كما عاد ملاك الرب ومس إيليا ثانية ليقوم ويأكل حتى يسير بقوة تلك الأكلة إلى جبل حوريب؛ إنها لمسة طفيفة لكنها حيوية لنا. وهي لا تأتينا من الظروف ولا من العلاقات أو حتى من ملاك, بل من الرب نفسه الذي وضع يديه على عيني الأعمى خارج بيت صيدا بعد أن تفل فيهما. وإذ أبصرالأعمى عندئذ الناس كأشجار يمشون, عاد الرب فلمسهما مرة أخرى, فأبصر الأعمى كل إنسان جلياًّ.
  ما زال هناك شيء واحد بسيط لم نضعه في يد الرب. ولا بد من وجود حصن صغير في مملكة قلوبنا لم نسلمه حتى الآن لرئيس خلاصنا المظفّر. ففي اللحظة التي نتيح فيها لإمبراطورية المسيح أن تضم هذا الأمرالصغير تحت لواء ربوبيته كسائر أدق التفاصيل في حياة كلٍّ منا, فإن لمسة السيد بروحه القدوس, التي ننشدها بإلحاحية جوهرية, ستكون من نصيبنا؛ إنها لمسة إعلان إضافي حي عن ألغاز شخصه, وتأثيرات فدائه, وروائع طرق نعمته معنا. وهكذا نزداد في غنى يقين معرفته وسعادته, لأن مسمات ارواحنا تتفتّح مثل أسدية الزهرة لتستقبل أكثر فأكثر لَقاح الحياة وشِبع المجد. ويغدو بلمستة  شتاء العمر القارص في حيواتنا ربيعا غنيا دافئا. ونكون مستعدين لفصول متنوعة ومواسم جديدة قادمة من معاملاته الطيبة المذهلة معنا. 
أيها المحب الألزق من الأخ..دعني أقترب منك أكثر, وإن عجزت عن هذا, فأنت تأتي إلي مقتربا, لتجعل شتاء حياتي ربيعا.. ولا مثله! لمسة روحك كم أحتاجها الآن! فأحيا المجد والكياسة والثّراء, وأُغْني معي كثيرين هنا.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا