(المؤمن بين الضعف والقوّة)

كانت إحدى السفن الضخمة تُبحر من ليفربول إلى نيويورك. وفي إحدى رحلاتها اصطحب القائد أسرته معه, وذات ليلة, عندما كان الجميع نياماً, ثار فجأة إعصارٌ شديدٌ ضرب السفينة وكاد يطرحها على جانبها. وبسبب صراخ الركاب الفزعين استيقظت ابنة القائد الصغيرة من نومها, وكانت تبلغ من العمر ثماني سنوات, وسألت: " ما الذي يحدث؟", فأخبروها أن السفينة تواجه إعصاراً مدمراً يجعلهم جميعا في خطرٍ شديد, فسألت: " هل أبي على سطح السفينة؟", وكانت الإجابة:  " نعم", فأراحت الطفلة رأسها ثانية على الوسادة وفي غضون لحظات قليلة كانت تستمتع بنوم عميق.

إن الربان الأعظم غير المنظور هو الذي يدير الدفة ومهما كانت شدة العواصف فهو الأب المحب الذي يعتني بكل واحد من أولاده. أنه أيضا يفتكر فينا في كل وقت وإن اختلفت الظروف فليس عنده تغيير أو ظل دوران ( يع 1: 17) .
إختبر بولس الرسول الرب في البحر أيضاً ويشهد الروح القدس لنا عن كلمات السيّد له في وسط الريح الزوبعية: " لا تخف يا بولس ... أع 27: 24". وصدّق بولس الله وتابع مسيرته معه مختبراً ما كتبه لمؤمني أفسس بعدها بسنتين: " الذي به (الرب) لنا جراءة وقدوم بإيمانه عن ثقة. أف 3: 12".

لكن الرسول ذاته يخاطب الكورنثيين: " وأنا كنت عندكم في ضعف وخوف ورعده شديدة. 1كو 2:3". أي خوف يا ترى هذا الذي يتحدث عنه مقدام الرسل؟ إنه الخوف المقدّس الذي يحبه الرب, الخوف من أن يقدم شيئا مع المسيح, والرعدة من أن يظهر في خدمته أحدٌ أو أمرٌ أو فكرٌ إلا المسيح وإياه مصلوباً وهكذا يفتخر في ضعفاته لكي تحلّ عليه قوة المسيح (غل 4: 14). إن إلهنا المحب ينظر بعين الرضى إلى المؤمن الذي يعرف الخوف الحقيقي من الجسد فيقول: " إلى هذا أنظر إلى المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامي. أشعياء 66: 2".

ونحن في هذه الأيام الأخيرة التي تغمر الكثيرين بالخوف والمخاطر, لنا تعزية في الله الذي أوجدنا في بحر هذه الحياة بكل ما فيه من رياح وأمواج, من صخور وعقبات, فلنتيقن أن له فينا قصداً عظيماً وهدفاً مجيداً, يفوق بما لا يقاس كل ما قد يصادفنا في الحياة من متاعب وآلام, فرسالة ربنا لنا هي: " لا تخف .. أنا حي".

ليتنا نتعلم من إلهنا الساهر على شعبه أن ننظر إليه ونفتكر فيه دائما لئلا نكلّ ونخور في نفوسنا فتدفعنا الضيقات والخطية المحيطة بنا لنصرخ :"أما يهمك أننا نهلك؟ مر 4: 38".
إن تلاميذه لم يدركوا من هو ذاك النائم وفي مرّةٍ أخرى لم تدرك تلميذاته من هو ذاك الميت حتى قلن: " من يدحرج لنا الحجر؟ مر 16: 3"

إننا نؤمن بمسيحٍ حي, لكن قلوبنا كثيراً ما تصرخ في ضعفها:" من يدحرج لنا الحجر؟" إنّه حجرٌ على قلوبنا يعطّل تحرّكنا الروحي بل ويشلّه أحياناً. ما أكثر حجارة الأفكار والجسد والحسابات والمشاعر البشريّة التي تحتاج إلى عيون الإيمان لترى الحجر قد دُحرج وتتمتّع بالمسيح الحي القادر أن يُدحرج كل الحجارة الأخرى.

إننا نرجو من الرب أن يمتّعنا بشخصه فيقوينا في ضعفاتنا ويحرّك قلوبنا لنخدمه في كل الظروف فالنفوس المتعطشة كثيرة وحتى مُناهِض الأمس نراه اليوم صامتاً يترقب أو خائفاً ينتظر كلمة تعزية حتى ولو لم يطلبها بلسانه.
قوّنا أيها الحبيب كيما نفتح أفواهنا فنسبحك ونستمع بالقلوب المرهفة الحس لكلمات النعمة من فمك المبارك.

يقول اطمئن فإني معك            وإني إلهك والعون بي
وإني أقويك كي أرفعك            وأرثي لضعفك مثل ألأب
إذا خضت لج المياه العميق      فلا تقدرنّ عليك اللجج
أنا لك في الضيق نعم الرفيق    وضيقك أبدلهُ بالفرج
إذا ما دهاك البلا والخطر         فيكفيك من نعمتي ما أنسكب
ولا توقع النار فيك الضرر       فإني أنقيك مثل الذهب

الأخ مكرم مشرقي

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا